فهرس الكتاب

الصفحة 2424 من 9994

أما إذا تاب من ذنب مع مباشرة ذنب آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه صحت توبته مما تاب منه. مثال ذلك أن يتوب من الربا وهو مُصّر على السرقة وشرب الخمر، فتقبل توبته مما تاب منه، أما إذا تاب من نوع من أنواع الربا وهو مُصّر على نوع آخر منه، أو تاب من نوع منه وانتقل إلى نوع آخر فلا تقبل توبته، كحال من يتوب من ربا الفضل وهو مُصّر على ربا النسيئة، وكحال من يتوب من الزنا بامرأة وهو مُصّر على الزنا بأخرى، فإن توبته لا تصح. وبالجملة فكل ذنب له توبة خاصة وهي فرض منه، لا تتعلق بالتوبة من غيره، فهذه هي التوبة الخاصة.

وسر المسألة أن التوبة تتبعض كالمعصية، فيكون تائباً من وجه دون وجه، كالإسلام والإيمان.

وهذا هو قول جمهور أهل السنة والجماعة.

ثم إن على العبد إذا وفقه الله لترك ذنب من الذنوب أن يسعى في التخلص من الباقي؛ لأن الإصرار على الذنوب يقود إلى ذنوب أخرى، فالحسنة تهتف بأختها والسيئة كذلك.

4-التخلص من الحقوق والتحلل من المظالم:

فالتوبة تكون من حق الله وحق العباد، فحق الله تبارك وتعالى يكفي في التوبة منه الترك كما تقدم، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك، بل أضاف إليه القضاء والكفارة.

أما حق غير الله فيحتاج إلى التحلل من المظالم فيه وأداء الحقوق إلى مستحقيها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات ) ).

ولكن من لم يقدر على الإيصال بعد بذل الوسع في ذلك فعفو الله مأمول.

5-توبة العاجز عن المعصية:

إذا ِحيل بين العاصي وبين أسباب المعصية فعجز عنها بحيث يتعذر وقوعها منه فهل تصح توبته إذا تاب؟ وذلك كحال السارق إذا قطعت أطرافه الأربعة، وكالزاني إذا جُب، وكمن حكم عليه بالسجن المؤبد، فهل لهؤلاء توبة، مع أنه قد حيل بينه وبين ما كان يفعله من معاصي؟

قال ابن القيم بعد أن ذكر الأقوال والخلاف في هذه المسألة"القول الثاني: وهو الصواب أن توبته ممكنة بل واقعة، فإن أركان التوبة مجتمعة فيه، والمقدور له منها الندم، وفي المسند مرفوعاً (( الندم توبة ) )، فإذا تحقق ندمه على الذنب ولومه نفسه عليه فهذه توبة، وكيف يصح أن تسلب التوبة عنه مع شدة ندمه على الذنب ولومه نفسه، ولا سيما ما يتبع ذلك من بكائه وحزنه وخوفه وعزمه الجازم، ونيته أنه لو كان صحيحاً والفعل مقدوراً له لما فعله، وإذا كان الشارع قد نَزّل العاجز عن الطاعة منزلة الفاعل لها إذا صحت نيته كقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً ) )، وفي الصحيح أيضاً: (( إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم ) )قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: (( وهم بالمدينة، حبسهم العذر ) )."

وله نظائر في الحديث فتنزيل العاجز عن المعصية، التارك لها قهراً مع نية تركها اختياراً لو أمكنه منزلة التارك المختار أولى"."

6-معنى التوبة من قريب والتوبة عند الموت:

قال الله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء:17] .

قال ابن رجب:"وأما التوبة من قريب فالجمهور على أن المراد بها التوبة قبل الموت، فالعمر كله قريب، ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، ومن لم يتب فقد بعُد كلَّ البعد كما قيل:"

فهم جِيرة الأحياء أما قرارهم فدانٍ وأما الملتقى فبعيد

فالحي قريب، والميت بعيد من الدنيا على قربه منها، فإن جسمه في الأرض يبلى وروحه عند الله تنعم أو تعذب، ولقاؤه لا يرجى في الدنيا"."

أما إذا عاين العبد أمور الآخرة وانكشف له الغطاء، وشاهد الملائكة فصار الغيب عنده شهادة، فإن الإيمان والتوبة لا تنفعه في تلك الحال.

قال الله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء:18] .

فسوّى عز وجل بين من تاب عند الموت ومن تاب من غير توبة، والمراد بالتوبة عند الموت: التوبة عند انكشاف الغطاء، ومعاينة المحتضر أمور الآخرة ومشاهدة الملائكة.

وقال ابن رجب:"وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال: لا يزال العبد في مهل من التوبة ما لم يأته ملك الموت يقبض روحه، فإذا نزل ملك الموت فلا توبة حينئذ."

وقال ابن عمر: (التوبة مبسوطة ما لم ينزل سلطان الموت) .

7-رجوع الحسنات إلى التائب بعد التوبة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت