في قصة الثلاثة الذين خلفوا ، كان كعب لديه المال ، يقول كعب بن مالك:"فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ، ولم أقض شيئا ، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه . فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازي شيئا ، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا ، ثم غدوت ، ثم رجعت ولم أقض شيئا ، فلم يزل بي حتى أسرعوا ، وتفارط الغزو ، وهممت أن أرتحل فأدركهم ، وليتني فعلت ، فلم يقدر لي ذلك ، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أنِّي لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق ، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء [4] ."
وهكذا في نهاية المطاف وجد نفسه في وسط المنافقين ، وهذا من جراء التسويف .
إخوتاه ..
الحذر الحذر من التسويف ، وطول الأمل ، قبل فجأة الموت ، وحسرة الفوت .
يا من تعمل في أعمال محرمة ، إياك أن تسوِّف ، فقد تموت قبل أن تتخلص منه ، هيا الآن ، لا تؤجل ، لا تعطل ، واتخذ هذا القرار الحاسم في حياتك فهذا دليل توبتك حقًا ، لا أن تتشدق بالأوهام .
يا من يريد حفظ القرآن قل: سأبدأ حفظ القرآن اليوم ، كل يوم ربع أو ربعين ، وتلزم نفسك بذلك إلزامًا صارمًا ، ولا تتهاون في عقاب نفسك إن قصرت ، وإلا فستصبح من أصحاب المظهرية الجوفاء الذين يكثرون من الوعود والأماني .
إخوتاه ..
من طرق العلاج:
سادسًا: أخذ الدين بشموليته .
فمن مظاهر عدم الجدية في الالتزام الاكتفاء ببعض الجوانب في الدين دون الشمولية ، وقد قال الله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّة" [ البقرة /208 ] ، فكثير من الملتزمين يدخل في الدين ، ويلتزم ببعض الجزئيات التي أحبها في الدين ، وقد يكون ذلك هوى ، فليس الهوى في فعل المحرمات ، بل وفي فعل الطاعات أيضًا ، قال الله تعالى لنبيه داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:"يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّه" [ ص /26] وقد كان هواه في العبادة .
فملاحظة الشمولية في الدين أمر ضروري ، فإنني أريدك متكاملاً في جانب العبادة صوام قوام ذكار لله تتلو القرآن فتصبح ذا شخصية متألهة متنسكة ، وعلى الجانب العلمي فأنت طالب علم مجتهد ، حافظ للقرآن ، ذو عقل وفكر نير واستيعاب شامل ، وفي الجانب الدعوي فنشاط متقدم ، سرعة واستجابة ، وعدم رضا بالواقع ، وتفكير متواصل في الطرق الشرعية لتحويل وتغيير مجرى الحياة ، ذو تأثير ملحوظ في المحيط الذي تعيش فيه ، كما قال الله تعالى في وصف نبيه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:"وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ" [ مريم /31 ]
إخوتاه ..
هذه هي الشخصية التي نبحث عنها ، هؤلاء هم الرجال الذين يحق أن يمكن لهم في الأرض ، أما الرضا ببعض جوانب الدين ، وتقسيم الدين إلى لباب وقشور ، فهذه بدعة منكرة جرت من ورائها تنازلات كثيرة، وشقت الصف لا جمعته .
تجد بعض الشباب رضي بالجانب العلمي وترك باقي الجوانب ، تقول لأحدهم: لماذا لا تقوم الليل ؟! فيقول: طلب العلم يستحوذ على كل وقتي .
وأنا أعجب من هذه التفرقة التي لا أصل لها ، من قال أنَّ علماء السلف تركوا الاجتهاد في العبادة والدعوة من أجل طلب العلم ؟!!
وتجد آخرين لا همَّ لهم إلا الدعوة ، يتجولون على الناس لدعوتهم وربطهم بالمساجد ، وهذا في حد ذاته جيد ، لكن دعوة بدون علم ، هذا سرعان ما ينقلب على عقبيه ، لأنه لم يفهم دينه ، فربما يستجيب مرة أو مرتين بسيف الحياء ، أو بفعل تحمس مؤقت ، ثمَّ بعد ذلك لا تجده .
وآخرون ارتضوا من الدين بالعبادة فلا تعلموا ولا دعوا ، فمن أين لهؤلاء بهذا ؟!!
إخوتاه ..
الدين كلُُ واحد ، لا يصلح فيه الترقيع"ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّة" [ البقرة /208 ] أي جملة واحدة بجميع جوانبه
ولابد أن توزع طاقاتك من أجل خدمة هذه الجوانب الثلاثة ، علم وعمل ودعوة ، ومتى ضاع منك الوقت دون أن تثمر شيئًا في هذه الجوانب فاعلم أنَّ هذا من الخذلان ، وأنَّ هذا لا يكون إلا بكسبك ، فينبغي أن تتوب سريعًا ، وإلا فمن يدريك أن الموت لن يكون أسرع مما تتوقع ، وعلى هذا نتعاهد ونتواصى ، وليأخذ كل منكم بيد أخيه ، فإنها النجاة .
إخوتاه ..
سابعًا: التعاهد على الثبات حتى الممات .