فهرس الكتاب

الصفحة 2545 من 9994

عباد الله، فتن عظيمة والله، وسفك دم إمرء مسلم واحد بهذا القدر، وبهذه الشدة التي جاءت بها النصوص الشرعية، ثم إن الإخلال بالأمن لا مصلحة للمسلمين فيه، بل هو المضرة العظيمة، بل هو الضرر الكبير، وإذا كان من هؤلاء المسلمين من يحمي الحمى ويحرص المسلمين فيكون الاعتداء عليه وهو يحرس المسلمين جرماً مضاعفاً، فلا يجوز الاعتداء على رجال الأمن الذين يحرصون المسلمين، ويؤمنون الطرق، ويحمون الأموال والدماء، والمراكب والنفوس، فنسأل الله الرحمة والمغفرة لكل مسلم مات على التوحيد، ونسأله عزوجل أن يخلف لأهليهم بخير وأولادهم.

عباد الله، إن من الأمور المشاهدة في الأيام المنصرمة، الإقبال الشديد، والتدافع العجيب، والتكالب الغريب، وكذلك ما حدث من بعض الفوضى والتشاجر عند أبواب المصارف، إقبالا على الاكتتابات في أسهم بعض الشركات.

{ إن الإنسان خلق هلوعاً } ، الطمع فيه، الشح في نفسه، الحرص على الدنيا الولع بها، { زين للناس حب } ، الشهوات حب الشهوات زين في قلوبهم، من الناس والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، سبع من أنواع متاع الدنيا أشارت إليه الآية، النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة المعلمة المزينة، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، والحرث الزراعة، هذا الذهب والفضة وهذه الأسهم التي تقوم بالذهب والفضة زينت في قلوب الناس، فتزاحم شديد وطمع في الحصول على تلك الأسهم، واقتتال على الدور، وظنن أن المبكر يحصل على أكثر مما يحصل عليه غيره، إغلاق منافذ، وطوابير طويلة، وحالات من الإرباك والفوضى، وتدخل الشرطة لفض الاشتباك، وتستعين البنوك برجال الأمن لتنظيم الناس بعد أن فقدوا القدرة على تنظيمهم، انتهاء أرقام، وتوقف أجهزة وهكذا،، وهكذا مما يحصل حتى في فروع المصارف النسائية من الملاسنات، والمشاتمات، والملاعنات، والمشاجرات، والهرج والمرج، والتدافع وكسر الباب، والصراخ والعويل، وهذا يريد واسطة، وهذا يريد التقدم على غيره، { أعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً } ، { قل أؤنبئكم من خير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد } .

عباد الله، إنه هلع عجيب، وقبل ذلك أيضاً أناس قد سافروا وارتكبوا العناء والمركب الصعب، وباتوا في الحدائق والمساجد، وعلى الشواطئ، كل يسعى لنيل سهم الاكتتاب، إنه سيتضاعف وتحصل على كذا وكذا، وإشاعات وشائعات، وهذا يأخذ أسم زوجته فيكتتب به فإذا ذهبت لتكتتب قيل: لها إن رقمك مأخوذ وهكذا،، وهكذا مما حصل من الأشياء العجيبة الدالة على هلع الناس على الدنيا وتقاتلهم عليها، أشياء غير عادية مما يدل على شدة التعلق بالدنيا، وأحياناً تكون النتيجة أغلى مما يدفع، وأحياناً تكون أقل مما دفع، وبضعهم يقترض بالربا ليكتتب ثم يخسر، أو لا يفي المال الذي يعود عليه بتسديد الربا الذي تراكم عليه.

عباد الله، تحتاج النفوس إلى التربية، تحتاج النفوس إلى محاربة هذا التعلق بالدنيا، الزهد: ترك الرغبة في ما لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة.

عباد الله، لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بنظرين:

الأول: النظر في الدنيا وسرعة زوالها، وفنائها ونقصها وخستها.

والنظر الثاني: النظر في الآخرة وإقبالها وبقائها ودوامها.

قيل لأحد السلف: ما سر زهدك في الدنيا؟ قال: ( أربع، علمت أن رزقي لا يأخذه أحد غيري فأطمأن قلبي، وعلمت أن عملي لا يقوم به أحد سواي فاشتغلت به، وعلمت أن الموت لا شك قادم فاستعددت له، وعلمت أني لا محالة مسؤول واقف بين يدي ربي فجعلت أعد للسؤال جوابه) .

وليس معنى الزهد يا عباد الله أن يجحد المرء خيراً ساقه الله إليه، ولا أن يترك فرصة مباحة قدرها الله له، أو ساقها الله إليه، وكان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما ولهما من المال والملك والنساء مالهما، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم من أزهد البشر وله تسع نسوة، وكان علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان، من الزهاد ولهم أموال، والمذموم هو صرف الهمم والجهود في الدنيا والإعراض عن الآخرة، المذموم أن يقاتل لأجل الدنيا، أن يغضب لأجل الدنيا، ويرضى لأجل الدنيا، أن يرتكب الحرام لأجل الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت