ولذلك جعل هذا العقد شريعة ماضية ، وسنةً هادية .. لا نكاح إلا بولي وشاهدين ، والنصوص كثيرة والأحكام الفرعية عديدة ويكفينا هذا .
د - الأساس المالي
فإن الحياة الدنيا فيها أمور واقعية لا بد من مراعاتها ، ولا بد من استحضارها ، ولا بد من تأمينها ، ومن ثم جاء هذا العقد وهذا الأساس متضمناً فيه ، فهناك مهر هو من شروط عقد النكاح ، وهناك نفقة هي من واجبات ما يتوجب على عقد هذا النكاح ؛ فإنه دليل في أول الأمر على الجنسية فيه ودليل في آخره على تحمل المسئولية الناشئة عنه .
هـ - الأساس العاطفي
فإن المحبة القلبية ، وإن الميل النفسي هو ترجمة لحقيقة تلك المعاني التي أسلفناها كلها ، وقد جعل الله - سبحانه وتعالى - ذلك آيةً من آياته ، كآيات الخلق العظيمة .. الكون وآياته التي أقامها من الحجج والبينات الظاهرة على وحدانيته وعظمته سبحانه وتعالى ، فقال تعالى: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } .
ذلك هو ماء الحب والوصل الذي يعقد بين القلبين ، ويؤلف بين النفسين ، ويمزج بين الروحين فتفيض حينئذٍ من مياه المودة وبحار المحبة ما يجعل تلك الأسرة تعيش في تلك الأسس كلها في نوع من الأمان والأمن ، والتماسك والترابط ،إن قلّت الأموال أو شحت ضلت تلك المحبة تروي وتتغلب على الصعوبات، وإن توفرت الأموال وجاء شيء من الاختلاف فيما يقع بين الأزواج والزوجات ، جاء التذكر لمراقبة الله والمعرفة بأن هذا ميثاق غليظ عند الله.
وهكذا نجد كل هذه الأسس توفر بناء قوياً راسخاً متيناً في أسسه وقواعده يرجى إذا قام البناء أن يكون الأساس الراسخ سبباً في البناء الشامخ وأساس بذلك البناء الشامخ .
ثالثاً: أسس التعامل والتمثيل
بعد البناء والتكوين لو تترك هذه الشريعة وهذا الدين العظيم الأمر لمجريات الحياة ، بل جاءت الحقوق وجاءت الواجبات وجاءت الإرشادات القرآنية والنبوية في ذلك نذكرها في ومضات سريعة أيضاً ؛ حتى نكمل صورة القوة والإحكام لننتقل إلى ما وراء ذلك من هذه المعاني والمعالم:
1-حسن العشرة
الذي هو بمثابة الزيت الذي يسلك ويجعل الأمور منسابةً وسهلةً وفيها مرونة ، كما قال الله تعالى: { وعاشروهن بالمعروف ولهن مثل الذي عليهن من معروف ولرجال عليهن درجة } .
حتى في آخر المراحل وعند أوقات الاختلاف أو الافتراق { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } .
هذا المعنى المهم ، وهذه الحقوق اللازمة لكلا الطرفين تجعل هذا المعنى يذكرنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) .
ولست أفيض - كما قلت - وإنما أذكر في كل معنى خلاصته حتى نستكمل الصورة ونستجليها في جميع جوانبها .
2-تحقيق المتعة
وذلك مما جاءت به الآيات ، كما قال الله عز وجل: { والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } .
ولما جاءت وافدة النساء تسأل وتذكر ما فضل الله به الرجال على النساء في بعض التشريعات كالجهاد والجمع وغيرها ، قال عليه الصلاة والسلام: ( إن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل ذلك كله ) .
وليس هذا منه عليه الصلاة والسلام كلامً عاطفياً لاسترضاء النساء فهو عليه الصلاة والسلام: { لا ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى } .
إنها الأسس التي تديم هذا البناء متماسكاً وتجعل الحياة رغم تقلباتها وظروفها الصعبة مستمرةً على هذا النهج الذي يمثل العلاقة في أثناء التعامل ويواجه المشكلات والصعوبات .
ورأينا كذلك فيما قد يحصل من الخلل حتى وإن كان هذا الخلل تغليباً لبعض الجوانب الذي قد يحبها المؤمن ويقبل عليها من العبادات .
كما ثبت في الصحيح عند البخاري وغيره من قصة أبي الدر داء وسلمان الفارسي عندما جاء سلمان رضي الله عنه فرأى أم الدر داء في هيئة مبتذلة فسأل بعد أن سلّم فقالت: أخوك أبو الدرداء ليس لنا منه نصيب ، قد تفرغ للطاعة والعبادة ، فتزل عليه ضيفاً - كما هي القصة المشهورة - فلما حلّ به ضيفاً دعاه إلى الطعام فقال له سلمان: كلْ معي ! قال: إني صائم ، قال: عزمت عليك إلا أكلت ، حتى جعله يفطر ؛ لأنه كان متطوعاً في صومه ، ثم أراد أن يقوم في الليل بعد العشاء قال له: نم ، ثم أراد أن يقوم ليصلي فقال له ، نم ، ثم بعد فترة قال له: نم ، حتى إذا بقي الثلث الأخير قال له: الآن فقم ، ثم قال: له إن لربك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولزوجك - وفي رواية لأهلك - عليك حقاً ، وإن لزوارك - أي ضيفك - عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه"، فمضى أبوا الدرداء يذكر هذا لرسول الله عليه الصلاة والسلام فقال عليه الصلاة والسلام: صدق سلمان ."
تلك أيضاً قضية في التعامل ليس مجال تفصيلها وإنما سيأتي ذكر بعض ذلك أيضاً
3-الطاعة والقوامة: