إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن لاإله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} . {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {ولقد وصينا الذين آوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} وذلك بامتثال أمره، واجتنابه نهيه.
أيها الناس: إن البيوت نعمة من نعم الله - عز وجل- على عباده؛ قال الله - تعالى-: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا} .
فالبيت يعدّ ضروريًا لكل حي، فكل حي لا بد له أن يؤوي إلى بيت، ولذلك فإن البيت للمسلم مكان أكله ونومه ونكاحه وراحته، ومكان خلوته واجتماعه بأهله وأولاده، ومكان ستر المرأة وصيانتها، قال الله - تعالى-: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} .
فإذا ما تأملت أحوال الناس الذين لا بيوت لهم ممن يعيشون في الملاجئ، أو على أرصفة الشوارع، واللاجئين المشردين في المخيمات المؤقتة، عرفت نعمة البيت، وإذا ما سمعت حيرانًا مضطربًا يقول: ليس لي مستقر، ولا مكان ثابت، فأنا أنام أحيانًا في بيت فلان، وأحيانًا في المقهى، أو الحديقة أو على شاطئ البحر، عرفت معنى التثشتت والضياع الناجم عن الحرمان من نعمة البيت.
ولذلك لما انتقم الله من يهود بني النضير سلبهم هذه النعمة وشردهم من ديارهم فقال تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر} ثم قال تعالى: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} .
أيها المسلمون: إذا علمتم أن البيوت نعمة؛ فإنه يجب شكر هذه النعمة، وشكر هذه النعمة يكون بتسخيرها في طاعة الله، والبعد عن معصيته، ولذلك فإنه يجب عليك أيها المسلم الاهتمام بإصلاح بيتك لعدة أمور منها.
أولًا: وقاية النفس والأهل نار جهنم، والسلامة من عذاب الحريق، فال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا ...} .
ثانيًا: عظم المسئولية الملقاة على راعي البيت أمام الله يوم الحساب، قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله -تعالى - سائل كل راعٍ عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيعه؛ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته". رواه النسائي وابن حبان عن أنس وهو في صحيح الجامع والسلسلة الصحيحة.
ثالثًا: أنه المكان لحفظ النفس، والسلامة من الشرور وكفها عن الناس، وهو الملجأ الشرعي عند الفتنة، قال صلى الله عليه وسلم:"طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته"رواه الطبراني في الأوسط عن ثوبان وهو في صحيح الجامع.
وقال عليه الصلاة والسلام:"سلامة الرجل في الفتنة أن يلزم بيته"رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي موسى وهو في صحيح الجامع.
رابعًا: أن الناس يقضون أكثر أوقاتهم في الغالب داخل بيوتهم وخصوصًا في الحر الشديد، والبرد الشديد ،والأمطار وأول النهار وآخره، وعند الفراغ من العمل أو الدراسة، ولا بد من صرف هذه الأوقات في الطاعات، وإلا فإنها ستضيع في المحرمات- والعياذ بالله-.
خامسًا: وهو من أهمها، أن الاهتمام بالبيت هو الوسيلة الكبيرة لبناء المجتمع المسلم، فإن المجتمع يتكوّن من بيوت هي لبناته، والبيوت أحياء، والأحياء مجتمع، فلو صلحت اللبنة لكان مجتمعنا قويًا بأحكام الله، صامدًا في وجه أعداء الله، يشع الخير ولا ينفذ إليه الشر.
فيخرج البيت الصالح إلى المجتمع أركان الإصلاح فيه؛ من الداعية القدوة، والقائد الرباني، وطالب العلم المجتهد، والمجاهد الصادق، والشاب الغيور على دينه وعلى عرضه، والبنت العفيفة الطاهرة، والزوجة المخلصة، والأم المربية، وبقية الصالحين المصلحين.
أيها الناس: إذا كان الموضوع بهذه الأهمية، وبيوتنا قد نزلت بها المنكرات الكثيرة، وأصاب بعضها الضياع والتفريط والحرمان، وذلك بسب الإهمال إصلاح البيوت، فلذلك فإننا سنتناول بعض وسائل إصلاح البيوت، فنقول:
أولًا: يكون إصلاح البيوت بما يلي:
-تكوين البيت ويكون بالأمور التالية:
* حسن اختيار الزوجة: حيث ينبغي على صاحب البيت انتقاء الزوجة الصالحة بالشروط التالية:
"تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"متفق عليه.
"الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة"رواه مسلم.
"ليتخذ أحدكم قلبًا شاكرًا ولسانًا ذاكرًا، وزوجة مؤمنة تعينه على أمر الآخرة"رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن ثوبان وهو في صحيح الجامع.
"وتزوجوا الودود الولود إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة"رواه البيهقي في الشعب عن أبي أمامة، وانظر صحيح الجامع.
"عليكم بالأبكار فإنهنَّ أنتق أرحامًا، وأعذب أفواهًا، وأرضى باليسير"رواه أحمد عن أنس، وقال في إرواء الغليل: صحيح.
وفي المقابل لا بد من التبصر في حال الخاطب الذي تقدم للمرأة المسلمة، والموافقة عليه حسب الشروط الآتية:
"وإذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض"رواه ابن ماجه وهو في السلسلة الصحيحة.
فالرجل الصالح مع المرأة الصالحة يبنيان بيتًا صالحًا؛ لأن البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا.
* السعي في إصلاح الزوجة:
إذا كانت الزوجة صالحة فبها ونعمت، وهذا من فضل الله- عز وجل-، وإن لم تكن بذاك الصلاح فإن من واجبات رب البيت السعي في إصلاحها، وذلك بالوسائل التالية:
أيها المسلمون: اجعلوا البيت مكانًا لذكر الله وشكره، قال صلى الله عليه وسلم:"مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت".
فلا بد من جعل البيت مكانًا للذكر بأنواعه المختلفة، سواء ذكر القلب، أوذكر اللسان، أو الصلوات وقراءة القرآن، أو مذاكرة العلم الشرعي، وقراءة كتبه المتنوعة.