فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
28-وكان مالك بن أنس يقول:"الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر، وكل ما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في دين الله عز وجل فالسكوت أحبّ إلي؛ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل" [36] .
29-وقال مالك أيضاً:"لو كان الكلام علماً لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدلّ على باطل" [37] .
30-وقال أيضاً:"إياكم والبدع"، قيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال:"أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان" [38] .
31-وجاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة، فقال له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا، فقال الرجل: أرأيت؟ قال مالك: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النور:63] [39] .
32-وقال الشافعي:"لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء" [40] .
33-وقال أيضاً:"لأن يُبتلى المرء بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير له من أن يبتليه بالكلام" [41] .
34-وقال أيضاً:"ما ارتدى أحدٌ بالكلام فأفلح" [42] .
35-وقال أحمد بن حنبل:"إنه لا يفلح صاحب كلام أبداً، ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلاَّ وفي قلبه دَغَل" [43] .
36-وقال البغوي:"واتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام وتعلمه" [44] .
37-وقال ابن عبد البر:"أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم" [45] .
38-وقال أيضاً:"ونهى السلف رحمهم الله عن الجدال في الله جل ثناؤه في صفاته وأسمائه، وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر؛ لأنه علم يحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك، وليست الاعتقادات كذلك؛ لأن الله عز وجل لا يوصف عند أهل السنة والجماعة إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أجمعت الأمة عليه، وليس كمثله شيء، فيدرك بقياس أو بإمعان نظر، وقد نهينا عن التفكر في الله، وأمرنا بالتفكر في خلقه الدال عليه، وللكلام في ذلك موضع غير هذا، والدين قد وصل العذراء في خدرها والحمد لله" [46] .
39-وقال الشاطبي في بيان ذم البدع وأنه عام لا يخص بدعة دون غيرها:"فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه:"
أحدها: أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء ألبتة، ولم يأت فيها ما يقتضي أن منها ما هو هدى، ولا جاء فيها: (كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا) ولا شيء من هذه المعاني، فدل على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية.
الثاني: أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة، وأتي بها شواهد على معان أُصولية أو فروعية، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكررها وإعادة تقريرها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم.
وقد جاء في الأحاديث المتعددة أن كل بدعة ضلالة، وأن كل محدثة بدعة. وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة، ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها، فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها.
الثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها كذلك، وتقبيحها والهروب عنها وعمّن اتسم بشيء منها، ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت، فدل على أن كل بدعة ليست بحق، بل هي من الباطل.
الرابع: أن متعقد البدعة يقتضي ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أنه ينقسم إلى حسن وقبيح وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول استحسان مشاقة الشارع.
وأيضاً لو فرض أنه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذم لم يتصور، لأن البدعة طريقة تضاهي المشروعة من غير أن تكون كذلك، وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها، إذ لو قال الشارع: (المحدثة الفلانية حسنة) لصارت مشروعة" [47] ."
[1] جامع البيان (4/419) .
[2] صحيح مسلم: كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218) ، ورواه أبو داود (1905) ، وابن ماجه (3074) .
[3] رواه ابن حبان في صحيحه (122) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/169) :"رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح"، وقد صححه الألباني في صحيح الترغيب (1/93) .