فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
والأحاديث - كما قلت - أيضاً كثيرة والنصوص عظيمة ومن أهم الأمور التي تقود إلى الأخذ بهذه الهمة العالية .
والثالث: مطالعة السير وأخبار أهل الصلاح وذويهم
فإنها من أكثر الأسباب المعينة على الهمة العالية والمُفضية إليها والمؤدية إلى طريقها فإنها تشعل في القلب نار الحماسة وتذكي فيها العزيمة والجد بحيث لا يتوانى ولا يتكاسل ولا يتأخر وقد قال ابن الجوزي رحمه الله إن النظر في سير القوم حياة للقلوب وإعلاء للهمم .
ونعلم أن من سير الصحابة والتابعين والسلف الصالح - رضوان الله عليهم - ما لو تدبره وتعلق به المرء لكان خيراً له وسبباً من الأسباب التي تعينه بإذن الله عز وجل .
والرابع: التركيز في المعالي والبذل لها
فإن كثيرٌ من الناس يشتت فكره ويوزع همومه وتعرض له العوارض التي سيأتي ذكر بعضها فلا ينصرف همه إلى شيء عظيم وإلى مقصدٍ واضح وإلى هدفٍ سامي فلا يكون حينئذٍ له أثر وقد قلنا: إن الهمة مولودة مع الإنسان وأن كل الناس لهم همم لكننا نرى أن بعض الناس هممهم تنصرف إلى غير الخير من أين ذلك ؛ لأنهم لا يركزون في الأمر الصحيح أو المطلوب وحتى علماء النفس والذين يتحدثون عن ملكات الإنسان يقولون ذلك .
إن الفرق بين العباقرة وغيرهم من الناس العاديين ليس مرجعه إلى صفة أو موهبة فطرية للعقل بل إلى الموضوعات والغايات التي يوجهون إليها هممهم وإلى التركيز الذي يسعهم أن يبلغوا هذه المنازل .
نحن مثلاً نرى من علماء الحديث من يقولون أنه كان يحفظ كذا وكذا ألفاً من الحديث أو يعرفوا عن رجال الحديث ورواتهم كذا وكذا ألفاً وبعض الناس يقول كيف هذا أي عقل يستوعب هذا .
فنحن نقول انظر إلى ما يحفظه كثيرٌ من الناس أو ما نحفظه نحن بمجموع ما عندنا كم يحفظ كثيرٌ من الناس من أسماء المغنيين والمغنيات والفنانين والفنانات واللاعبين واللاعبات ، وأسماء المجلات وأسماء الاسطوانات ، وكذا تجد أنه كمٌ هائل ربما يعدل شيئاً من ذلك .
لكنه كان في غير الطريق الصحيح وكان مشتتاً مفرقاً في أودية شتى ولم يُركز في جانب واحد ولذلك قال بعضهم أيضاً إن العقل الإنساني يُصبح أداة مدهشة إذا رُكز تركيزاً قوياً حاداً وهذا أمرٌ واضح .
مثلٌ يسير .. الإمام البخاري - رحمه الله - كان جُل اهتمامه وتركيزه في الحديث وبلغ فيه مبلغاً عظيماً حتى لُقّب بأمير المؤمنين في الحديث .
انظر إلى عظمة التركيز في قصة واحدة قالها بعض أصحابه قال: نمت مع البخاري ليلة وإذا بي أُحصي له ستة عشرة مرة يقوم فينظر في أوراقه فيدون شيئاً أو يُطالع شيئاً .
لماذا فكره مرّكز وهمه منحصر في ذلك إذا نام حتى إذا استيقظ تذكر شيئاً فقام .
أبو عبيد القاسم بن سلاّم - رحمه الله - له قصة طريفة أيضاً ذكرها مؤلف وفيات الأعيان يقول:
كان يفكر في المسألة ولا يصل فيها إلى حل فجاء لينام وغلبته عيناه ، ثم إذا به يستيقظ وظل طول ليله يفكر حتى الصبح ولكنه وصل فيها إلى نتيجة ، قال: فما رأيت ليلة أبرك عندي منها"."
إذا شغله شيء لا يلتفت إليه وحتى في مجال آخر .
زين العابدين - رحمه الله - كان يصلي في بيته واشتعلت النار في البيت ، وجعل بعض الناس يصيح: يا ابن رسول الله النار .. النار ! فما شعر إلا بعد أن أطُفئت النار وخلصت الصلاة ، قالوا: أما شعرت ؟! قال: ألهاني عن النار النار الأخرى .
وعروة بن الزبير نعرف قصته لما سرى الداء إلى رِجله قالوا: نسقيك شيئاً من الخمر فنقطعها حتى لا تشعر ! قال: لا ! ما كنت لأستعين بمعصية الله ، ولكن إذا دخلت في الصلاة فافعلوا ما شئتم ، فقطعوها وغمسوها في الزيت المغلي حتى يلتئم جرحها .. وفي بعض الروايات التاريخية أن الوليد وهو الخليفة قال وإني لأشم رائحة الشواء وهو في صلاته حتى أُغمي عليه رضي الله عنه ورحمه الله .
هكذا يكون التركيز وهذه قضية بشرية انظر إلى الذين يركزون في بعض الأمور والأعمال أو المهمات الذي يلتفتون إليها بعض الناس من العباقرة ، حتى في العلم تجده لا يعرف كيف يلبس الملابس ! ولا يعرف كيف يأكل الطعام ! ينشغل بشيء حتى إن الإمام مسلم - رحمه الله - وقصة وفاته فيها عبرة كانت عنده مسألة من الحديث فدخل إلى بيته ورجع - بعد أن راجعه بعض الناس في الدرس - يبحث فقال لأهله: لا يدخل أحد عليّ ، فقالوا: أُهدينا تمراً ، قال: قربوه لي ، فجعل يأكل ويقرأ ، يأكل ويطالع وهو لا ينتبه حتى أكل التمر كله ، قالوا: فمرض بسبب ذلك فكان منه موته بقدر الله سبحانه وتعالى .
والأمر في هذا يطول .
خامساً: اغتنام الفرص واستغلال الطاقات
فإن بعض الناس يقول: لا أُنجز الشيء حتى أتفرغ له ! وينسى أن القليل من الكثير كثير مثلاً أمر يحتاج إلى ساعتين من الزمان ، ربما لا تجد ساعتين متصلتين ! فما يزال يؤجل ويسوف .. لن تأتيه الساعتين إلا بعد عامين ، وربما الله أعلم بعد كم ! لكن هاتين الساعتين ربما جعلها دقائق خمس من هنا وخمس من هنا يقضي فيها هذا العمل أكثر منه .