فهرس الكتاب

الصفحة 3159 من 9994

وتجارب هذا كثيرة أحد علماء الهند عزم أن يتعلم اللغة الإنجليزية ، وكان الإنجليز يحتلون الهند ، وكان هو يعيش معهم ، فعزم ألا يفوته يوم حتى يتعلم عشر كلمات من اللغة الإنجليزية وظل على ذلك - كما أظن إذا لم أنسى - سبع أو تسع سنوات ، فصار ضليعاً في اللغة وصار يترجم منها إلى غيرها ومن غيرها إليها وهو لم يذهب إلى مدرسة ولا إلى معهد .

والسرخسي الإمام - رحمه الله - وُضع في الجب في البئر من بعض الظلمة ، وكان هذا يكفيه أن هذا عائقٌ له عن أن يبذل عملاً أو أن يستطيع استغلال الوقت .. ظل يُملي طلابه المسائل والعلوم حتى أملى كتابه [ المبسوط ] ، وهو كتاب عظيم وهو في قاع الجب وطلبته من أعلى يكتبون ما قالوا حتى يخرج .

وهذا من روائع أمثلة أسلافنا رضوان الله عليهم .

وفي هذا السياق أيضاً نذكر أن ابن القيم ألفّ كتابه العظيم [ زاد المعاد ] وهو في السفر في أثناء السفر والانتقال من بلد إلى بلد .. ألفّ هذا الكتاب العظيم من ذاكرته دون كتاب ولا مرجع .

وابن تيميه - رحمه الله - وهو محبوس كانت تُرسل إليه الفتاوى ويكتب ويرسل لأصحابها ..

ما قالوا هذه ظروف حتى تنتهي ! وإنما يغتنمون لأن صاحب الهمة لا يفوّت .

بل حتى بعض الغربيين يقول:"إن كثيراً من العباقرة والذين نالوا مراتب عالية كانوا يستغلون الجذاذات من الأوقات التي يكنسها الناس في المهملات فنالوا بذلك أعلى المراتب".

سادس الوسائل ولابد منه: العمل والكدح

لا يمكن أن تنال المعالي بالراحة والسكون بل كما قال الفاروق رضي الله عنه:"طلب الراحة للرجال غفلة".

وقيل لابن الجوزي: هل يسوغ لي أن ألهو وأرفه عن نفسي بشيءٍ من المباحات ؟ قال: عند نفسك من الواجبات ما يشغلها .

فلابد من كدح كما قال القائل:

بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها تنال إلا على جسرٍ من التعب .

وقيل لأبي موسى الأشعري - وهو من الصحابة رضوان الله عليهم - وقد كان يكثر من العبادة حتى أصبح - كما قالوا - كعود الخِلال يعني من شدة نحوله ، فقيل له: لو أجممت نفسك ! فقال: هيهات ! إنما يسبق الخيل المضمرة .

يعني النحيفة هي التي تسبق خفيفة يمكن أن تنطلق إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى وكم رأينا من العلماء والفضلاء والعبّاد رأينا كم يكدون ويعملون ويحتملون من العناء والمشقة شيئاً كثيرا وسيدهم ومقدمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تتفطر قدماه فيقال له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟! فيقول: أفلا أكون عبداً شكورا .

ويقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله:"كبير الهمة دوماً في علاء وهو أبداً في نصب لا ينقضي وتعب لا يفرغ ؛ لأن من علت همته وكبرت طلب العلوم كلها ، ولم تقتصر همته على بعضها وطلب من كل علم نهايته ، وهذا لا يحتمله البدن ، ثم يرى أن المراد العمل فيجتهد في قيام الليل وصيام النهار ، والجمع بين ذلك وبين العلم صعب ، ثم يرى ترك الدنيا ويحتاج إلى ما لابد منه ويحب الإيثار ولا يقدر على البخل ويتقاضاه الكرم والبذل وتمنعه عزة النفس من الكسب من وجوه التبذل ؛ فإن جرى على طبعه أي من الكرم احتاج وافتقر وتأثر بدنه وعائلته وإن أمسك فطبعه يأبى ذلك ولكن تعب عالي الهمة راحة في المعنى وراحة قصير الهمة تعب إن كان ثمّ فهم".

وهكذا فالإمام أحمد رحمه الله لما كان في الحبس وسينقل إلى الخلافة ونُقل بعد ذلك وعُذب جاءه أحمد ابن داود الواسطي يقول وهو يروي الرواية يقول:

دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبدالله عليك عيال وأنت معذور كأني أُسهل عليه الإجابة ، فقال لي رحمه الله:"إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت".

أما من الأنباري رحمه الله لما جاء إلى الإمام أحمد قال: يا هذا إنك رأس الناس وإمامهم فإن أجبت أجابوا وإن امتنعت امتنعوا فانظر ما تفعل ! فجعل ابن حنبل يبكي رحمه الله ويقول: أعد عليّ ما شاء الله .. أعد عليّ وهو يعيد عليه ثلاثة .

وفي بعض السير أيضاً أن إعرابياً جاءه وهو موثق ومحمول ليُنقل إلى دار الخلافة قال:

يا هذا إن الرجل إن لم يقتلك ؛ فإنك تموت ، قال الإمام أحمد: فثبتني الله بقولة الأعرابي ما شاء الله أن يثبتني .

والأسباب كثيرة منها أيضاً

سابعاً: قِصر الأمل وذكر الموت

فإن الذي يقصر أمله يرى أن الوقت أقل من أن يُسوّف، وأن المسألة أعجل من أن ينشغل عن المقصد الأعظم والمهمة الأكبر .

ومن هنا نعرف أقوال السلف وأحوالهم في هذا الباب والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) .

وابن عمر يفقه من النبي عليه الصلاة والسلام فيقول:"إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح".

وأما المفرطون فقد قيل فيهم بسطوا الآمال فأضاعوا آمالهم ولو نصبوا الآجال وطردوا الآمال خفّت عليهم الأعمال بإذن الله عز وجل .

ثامناً: صحبة ذوي الهمم العالية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت