فهرس الكتاب

الصفحة 3386 من 9994

وأمّا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل العيد في حجته فنوقش بأنه كان منشغلاً بأداء مناسك الحج عن صلاتها، فلا ينهض دليلهم .

وأما قول علي فنوقش بأنّ ذلك اجتهاد منه في مقابل اجتهاد آخر، فقد صحّ عن عمر أنه قال: (جمّعوا حيث شئتم) ( [22] ) .

أدلة أصحاب القول الثاني:

1-أنّها صلاة نافلة فأشبهت صلاة الاستسقاء والخسوف .

2-عموم أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم .

مناقشة الأدلة:

أمّا قولهم إنّها صلاة نافلة؛ فعلى فرض التسليم يُقال لهم: ولكنها شرعت على هيئة معيّنة فلا تتجاوز إلاّ بدليل.

وأمّا قولهم بالعموم؛ فنقول إنّ عموم قوله صلى الله عليه وسلم يخصصه فعله، وقد حصل التخصيص بتركه لإقامتها في السفر.

الترجيح:

والراجح قول الجمهور، وهو أنّه ليس للمسافرين أن يقيموا صلاة العيدين؛ لأنّها صلاة شرعت على هيئة معيّنة، ولم يصلها النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولا مرة واحدة في أسفاره ولا أحدٌ من أصحابه من بعده، ودعوى أنّهم كانوا مشغولين بالجهاد غير مستقيمة؛ لا سيّما في فتح مكة، فقد كانت في رمضان، وبقي النبيُّ صلى الله عليه سلم فيها إلى شوال، ومع ذلك لم يصلها.

وهو ترجيح ابن عثيمين، قال:"والدليل على ذلك أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يُقم صلاة العيد إلاّ في المدينة، وسافر إلى مكة عام غزوة الفتح، وبقي فيها إلى أوّل شوال، وأتاه العيد، ولم يُنقل أنّه صلى الله عليه وسلم صلّى صلاة العيد، وفي حجة الوداع صادفه العيد وهو في منى، ولم يُقم صلاة العيد؛ لأنّه مسافر، كما أنّه لم يُقم صلاة الجمعة في عرفة؛ لأنّه مسافر."

إذًا المسافرون لا يُشرع في حقِّهم صلاة العيد، وهذا واضح؛ لأنّ هذا هو هدي النبيِّ صلى الله عليه وسلم" ( [23] ) ."

العدد المشترط لصحة صلاة العيدين:

اختلف أهل العلم في العدد الذي تصح به صلاة العيدين بناء على اختلافهم في العدد الذي تصحّ به عندهم صلاة الجمعة على أقوال سبعة:

القول الأول:

أن صلاة العيد تنعقد بأربعة، إمام وثلاثة مؤتمين، لأنّه عدد يزيد على أقل الجمع .

وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ( [24] ) ، والليث بن سعد، وزفر ( [25] ) .

القول الثاني:

أنّ صلاة العيد لا تنعقد بأقلّ من أربعين رجلاً.

وهو قول الشافعي ( [26] ) ، ورواية عن أحمد ( [27] ) .

القول الثالث:

أنّ صلاة العيد تنعقد بثلاثة .

وهو قول الحسن البصري، والأوزاعي، وأبي ثور، ورواية عن الإمام أحمد، ومذهب أبي يوسف القاضي ( [28] ) .

القول الرابع:

أنّ الجماعة تنعقد باثني عشر رجلاً .

وهو قول ربيعة الرأي ( [29] ) .

القول الخامس:

أنّها لا تصلى بأقلّ من ثلاثين رجلاً.

وهو قول ابن حبيب من المالكية ( [30] ) .

القول السادس:

أنّها لا تصلى بأقل من خمسين رجلاً .

وهو رواية عن الإمام أحمد ( [31] ) ، وروي عن عمر بن عبد العزيز ( [32] ) .

القول السابع:

أنّها تنعقد باثنين .

وهو قول إبراهيم النخعي، والحسن بن حي، وأبي سليمان ( [33] ) .

أدلة الأقوال:

أدلة القول الأول:

ما رواه الزهري عن أم عبد الله الدوسية، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الجمعة واجبة على كل قرية، وإن لم يكن فيها إلاّ أربعة ) ) ( [34] ) .

ونوقش بأنّه حديث ضعيف ( [35] ) ؛ فيه انقطاع، ففيه الحكم بن عبد الله بن سعد ضعيف متهم، قال يحيى بن معين:"الحكم بن عبد الله بن سعد ليس بثقة، ولا مأمون" ( [36] ) .

والزهري لم يسمع من أم عبد الله، قال يحيى بن معين:"لم يسمع - أي الزهري - من أم عبد الله الدوسية شيئًا" ( [37] ) .

أدلة القول الثاني:

1-عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي بعدما ذهب بصره، وكان لا يسمع الأذان بالجمعة إلا قال: رحمة الله على أسعد بن زرارة .

قال: قلت: يا أبت إنه لتعجبني صلاتك على أبي أمامة كلما سمعت الأذان .

فقال: أي بني كان أول من جمع الجمعة بالمدينة في حرّة بني بياضة في نقيع يقال له الخضمان. قلت: وكم أنتم يومئذ ؟

قال: أربعون رجلاً ( [38] ) .

2-عن جابر بن عبد الله قال: (مضت السنة أنّ في كل أربعين فما فوقها جمعة) ( [39] ) .

3-قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة:"كل قرية فيها أربعون رجلاً فعليهم جمعة" ( [40] ) .

مناقشة الأدلة:

أمّا حديث كعب بن مالك فليس فيه ما يدل على أنّ الجمعة لا تنعقد بأقلّ من أربعين .

وأمّا أثر جابر ففيه عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي ضعيف جدًا، وقد ضعّف الأثر جمع من أهل

العلم ( [41] ) .

وأمّا قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ففيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث ( [42] ) .

أدلة القول الثالث:

قول الله تعالى: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ }

وجه الدلالة من الآية أنّ الخطاب موجه بصيغة الجمع، وأقل الجمع ثلاثة .

أدلة القول الرابع:

ما رواه الزهري:"أنّ مصعب بن عمير حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جمّع بهم وهم اثنا عشر رجلاً" ( [43] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت