فالإنسان الذي على الفطرة السوية يعلم بأن الغناء باطل, وأن الباطل يدحضه الله عز وجل بالحق, وأن الباطل ليس من الحق في شيء, ولذلك سماه أبي بكر الصديق رضي الله عنه مزمار الشيطان.. إذًا الشيطان يُزمّر فإذا زمَّر جمع أهل الهوى.
قالت عائشة رضي الله عنها: دخل علي رسول الله وعندي جاريتان تغنيان في يوم بعاث فأدار وجهه, فدخل أبو بكر رضي الله عنه فانتهرني فقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله , فأقبل رسول الله بوجهه فقال: (( دعها ) )فلما سكن غمزتهما فخرجتا, وفي رواية قال: (( يا أبا بكر إن لك قوم عيدًا وهذا عيدنا ) ).
فسمى أبو بكر رضي الله تعالى عنه الغناء بمزمار الشيطان... وبعض الذين يتبعون الهوى يستدلون بهذا الحديث على حِليّة الغناء والموسيقى, وليس الأمر كما ذهبوا إليه فإن ذلك مما رخّص فيه النبي , فالرسول عليه الصلاة والسلام أباح الغناء بالدف للنساء في أوقات الزواج وكذلك في الأعياد وحث على ذلك , بل ذلك من السنة وذلك في صحيح البخاري"أن عائشة رضي الله عنها لما رجعت من نكاح قال لها: (( أما كان معكم لهو؟ ) )فقالت: لا يا رسول الله, فقال: (( هَلاّ ضربتم بالدف وقلتم"
أتيناكم أتيناكم فحيانا وحيّاكم
ولولا الحنطة الحمراء لما سمنت عذاريكم ))
إلى آخر كلامه , فهذا يدل على أن الدف الذي يسمى بالطار مباح للنساء في وقت الأعياد والنكاح ـ كما قال العلماء ـ توسعة للعيال في وقت الأعياد. وليس فيه إباحة الغناء بالجمع بين الأدلة كما تقدم معنا. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه. ... ... ...
الخطبة الثانية ... ... ...
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه... الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا قيمًا لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا , والصلاة والسلام على رسولنا الذي أبان الرسالة وأوضحها أوضح بيان فصلى الله عليه وعلى الصحابة أجمعين.
ومن كلام الأئمة الأعلام الذين يرشدون الناس إلى الهدى ويبعدوهم عن الردى, من كلام الذين يبينون لنا الحلال ويبعدوننا عن الحرام ما قاله الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في الغناء إذ حرمه تحريمًا شديدًا, وقال:"إن الرجل إذا اشترى جارية فرآها مغنية كان له أن يردّها بالعيب". فقد جعل الغناء في الجارية عيبًا, وسأله رجل عما يباح عند أهل المدينة من الغناء فقال:"ما يفعله عندنا إلا الفساق".
وسُئل عبد الله ابن الإمام ـ الإمام بن حنبل ـ عن الغناء فقال:"الغناء ينبت النفاق في القلب ولا يعجبني", والشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ قال مثل هذا وأغلظ في القول هو وأصحابه من القدامى وكذلك العارفون بمذهبه كما أوضح ذلك الأئمة الأعلام, وأبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ كذلك من أشدّ الأئمة كذلك في تحريم الغناء, ويرى أن فاعله من الفساق ويرى الذين يمكثون عليه ممن ترد شهادتهم.
فهل بعد هذه الأقوال من قول في إباحة هذه الآفة.. هل بعد هذه الأقوال من رجل يقول لنا الغناء قسمان قسم فيه فجور وخنا وهو حرام وقسم يباح إذا لم يكن فيه ذلك.
هل نستمع إلى هذا الكلام بعد كلام ربنا وبعد كلام رسولنا فنتحدث في مجالسنا عن الأغنية الفلانية وعن المغني الفلاني.. نتحدث عن هؤلاء الذين ينبغي لنا أن نذمهم.
لو نظرنا في سيرة سلفنا الصالح لوجدناهم يبغضون الغناء حتى الفجار منهم حتى الشعراء منهم الذين سلطهم الله على الخلق كانوا يكرهون الغناء ويعدونه من الفجور.
فهذا الحُطيئة سليط اللسان تهاب العرب لسانه وتكره هجاءه قال أبو عبيدة معمر بن المثنى وجاور الحطيئة قومًا من بني كلب فمشى ذو الدين منهم بعضهم إلى بعض وقال: يا قومنا لقد أتاكم داهية.. هذا رجل شاعر, والشاعر إذا ظن حقق ولا يستأني فيتثبت, وإذا أعطى فلا يعفو فجاءوا إليه وهو في فناء خبائه فقالوا يا أبا مُليكة إنه قد عظم حقك علينا بتخطيك القذى إلينا فمُرنا بما تحبه فنأتيه ومرنا بما تكرهه فننزجر عنه, فماذا قال هذا الشاعر الهجّاء؟ قال: لا تأتوني كثيرًا فتُمِلوني, ولا تسمعوني أغاني شبيباتكم فإن الغناء رقية الزنا.
فإذا كان ذلك الشاعر المفتون اللسان الذي تهابه العرب يخاف عاقبة الغناء ويخشى من أن تسير هذه الرقية إلى قلوب حرمته فما الظن بغيره, ولا ريب أن الرجل الذي يجنب أهله سماع الغناء كما يجنبهم أسباب الريب لاشك أنه رجل فطن, الذي يخشى على شرفه والذي يقيم وزنًا لكرامته يمنع أهله ـ يمنع أمه وزوجه من الاستماع إلى مغنٍ فاجر, ويمنع أخته وبنته من الاستماع إلى مقطوعة من موسيقار لا يرقب في الله إلاً ولا ذمة, يفسد قلب هذه البُنية الطاهرة الصغيرة العفيفة, لا ريب أن الغيور يكره أن يستمع أهله وأزواجه وبناته إلى المغنيين والمغنيات إلى هؤلاء الفجار الذين يفسدون علينا ولا يصلحون.