فهرس الكتاب

الصفحة 3700 من 9994

الدروس التي قد ذكرناها قد تكون مخصوصة بطلبة العلم قد لا يحتاجها أو لا يفهمها عامة الناس أما خطبة الجمعة فيحضرها كل كبير وصغير وكل عالم وجاهل وكل الناس على جميع مستوياتهم فمن هنا ينبغي أن تكون منبراً للبيان والتعليم ، كما ذكر ابن القيم في وصف خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"كانت خطبته صلى الله عليه وسلم تقريرا لأصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقاءه وذكر الجنة والنار وما أعد الله لاولياءه وأهل طاعته وما أعد لأعداءه وأهل معصيته ، فيملأ القلوب من خطبته إيمانا وتوحيدا ومعرفة بالله وأيامه التي تحذر من بأسه، وكذلك الأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه ويبين لهم عظمة الله عز وجل وصفاته وأسمائه إلى أن قال ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وجدها كفيلة في بيان الهدى والتوحيد وذكر صفات الرب جل جلاله وأصول الإيمان الكلية والدعوة إلى الله وذكر آلائه سبحانه وتعالى التي تحببه إلى خلقه ."

فهي منبر لهذا التعليم الذي يعلم فيه الناس بما يناسب المقام وبالأسلوب الحسن الذي يجمع بين الوضوح واليسر وبين أيضا الايجاز والقصر .

الرسالة الثانية: الوعظ والتذكير

فهناك أمور يعلمها الناس لكنهم يغفلون عنها أو يتساهلون فيها أو يخالفونها، فهنا يأتي القول كأنه معادا لكنه تذكرة والتذكرة تنفع المؤمنين ولكنه يجعل في طياته أيضا التحذير من مغبة المخالفة وفوات الأجر من التقصير في الطاعة مع ما يكون من روح المتحدث من الحثّ على الخير والتحذير من الشر فيحيى بذلك قسوة القلوب ويبعد الغفلة عن العقول ويحصل بذلك خيرا كثيرا .

المعلم الثالث: الإصلاح والفلاح

فإن الإمام ينبغي أن يكون معايش للواقع ويلمس المشكلات ويعرف ما يجد في حياة الناس ؛ فإنه حينئذ يمكن أن يجعل الخطبة إصلاح للأخطاء ومعالجة للأدواء ، وهذا لا شك أنه يجعل رسالة المنبر رسالة ذات تأثير ، وذات اتصال مباشر بواقع الناس .

وهذا يستدعي أمورا أخرى كثيرة ليس هذا المقام مقام التفصيل فيها، ولكني أقف معها وقفه يسيرة وهي:

مقومات الإمام الناجح

ما يتعلق بالمقومات التي ينبغي أن تتوفر في الإمام ؛ ليقوم برسالته في المسجد ، وليقوم برسالته في المنبر أيضا ، ويمكن أن نقسم هذه المعالم إلى أقسام متباينه منها:

1 ـ الصفات الذاتية الخلقية

مثل الإخلاص لله - عز وجل - والبعد عن الرياء ، وهذا مفتاح كل توفيق ، ومفتاح كل نجاح ، ومفتاح كل تأثير ، ولا بد أن ندرك هذا فإنه ليس التأثر بغزارة العلم ولا بفصاحة اللسان ولا بعلو الصوت ولا بظهور الحماسة وإنما بما يستقر في القلب بإخلاص لله ورغبة في نصح الخلق وإرضاء الخالق - سبحانه وتعالى .

2 ـ الصفات الذاتية

* الرفق في المعاملة وذلك أن: (الرفق ما دخل في شيء الا زانه وما نزع منه الا شانه ) .

صور من الرفق في المعاملة

أ ـ ألا يشق على الناس بالإطالة عليهم في صلاته أو خطبته .

ب ـ ألا يشق على الناس بكثرة الدروس وطولها وعدم ملائمتها لاحتياجاتهم .

ج ـ أن يكون مع الناس وفي وسطهم فلا يتكبر عليهم ولا يبتعد عنهم ، ولا يكون إذا طلبوه لا يجدونه ، وإذا احتاجوا إليه افتقدوه ؛ فإن هذا الرفق والتودد هوالذي يجعل له مكانة في القلوب ، ومحبة في النفوس ، فإذا قال سُمِعَ لقوله ، وإذا طلب أُجيب طلبه ، وإذا وجّه قبِل الناس توجيهه ، وهذا لا شك فيه من الأمور المهمة .

* القدوة

ثم كذلك لا بد له مما يتعلق بهذا الجانب أمر مهم عظيم ، وهو أمر القدوة لكي يتحقق الإنتفاع لا بد من أن يكون الإمام قائل بلسانه ولكنه قبل ذلك عامل بجوارحه وأن يوافق قوله فعله كما قال القائل:

لا تنهى عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

و نعلم أثر القدوة في حياة الناس ونعلم من سيرة السلف أن بعضا منهم كان يتحاشى أن يخطب في الموضوع أو في الأمر حتى يطبقه بذات نفسه ثم يذكّر الناس به، يتحرج من أن يعظ الناس بأمر لا يبدأ بتطبيقه أو لم يحصل له الفرصة في تطبيقه وهذا لا شك فيه أنه من الأمور المهمة اللازمة في هذا الجانب .

* قوة الشخصية

أن يكون مستجمع لبعض الصفات القيادية فليس الإمام كما قد يقع في بعض الصور والأحوال أو كما قد يتوهم بعض الناس ليس هوالرجل الدرويش الضعيف الذي عنده بلادة في الذهن وبلاهة في التصرف، كلا بل ينبغي أن يكون هو الشديد في ذكاءه القوي في رأيه الحازم في أمره الواثق بربه، الذي يملك الشجاعة من غير تهور وعنده بعد النظر في عواقب الأمور كل ذلك يجعله قادر على القيام بهذه الرسالة .

* التحصيل العلمي

أ ـ أن يحرص على حفظ القرآن ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .

ب ـ أن يحفظ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمور المهمة ما يعينه على أن يحسن الوعظ إذا وعظ ، وأن يصيب في التعليم إذا علم وهكذا .

ج ـ لا بد له أن يستنبط من خلال ما يحفظ من القرآن ، وما يعرف من السنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت