والمقصود به التوسط والاعتدال ، حتى كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي حتى إذا سمع بكاء الصبي تجوز في صلاته .
ومما أثر أن مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يرى أباه إذا صلى بالناس خفف في صلاته ، وإذا صلى في البيت أطال القيام والركوع والسجود وهذا عكس ما نفعله نحن ، إذا صلينا في المساجد طولنا ، وإذا صلينا في بيوتنا فإن صلاتنا تكون أخف من الخفيفة ،كما يقال فقال مصعب لأبيه: يا أبي أراك إذا صليت في المسجد خففت وإذا صليت في البيت طولت ! قال:"يا بني إنا أئمة يقتدى بنا".
وكذلك ما ينبغي مراعاة الحال في مسألة التعليم والدروس ، كما في حديث علي رضي الله عنه:"حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله".
ثانيا: المنابر
التنبيه الاول: مظنة الفقه
ولا شك أن هناك بعض المبررات فيما قد يقع من طول لا يتوازن مع ما أثر من خطب النبي صلى الله عليه وسلم من أن الناس قل علمهم وتوسع عن طريق الله عز وجل بعدهم مما قد يستدعي تفصيلا أو تفريعا أو نحو ذلك، لكن المبالغة في ذلك غير مطلوبة وقد ورد في صحيح مسلم
( أن عمار بن ياسر خطب في قوم فقال له رجل يا أبا اليقظان لقد أبلغت فاوجزت ولو كنت تنفست أي طولت يعني حديثه كان مشوقا، فقال عمار بن ياسر إن النبي عليه الصلاة والسلام قال إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مظنة من فقهه ـ أي علامة من فقهه - فأطيلوا الصلاة وقصروا الخطبة وإن من البيان لسحرا .
وعن عمر - رضي الله عنه - إنه قال:"لا تبغضوا الله إلى عباده ، قالوا: وكيف ذلك أصلحك الله ؟ قال: يجلس أحدكم قاصا فيطوّل على الناس حتى يبغض عليهم ما هم فيه ، ويقوم أحدكم إماما فيطول على الناس حتى يبغضهم مما هم فيه".
التنبيه الثاني: اللحن اللغوي
من الأمور التي ينبغي الحذر منها اللحن والخطأ في اللغة العربية ؛ فإن الخطبة ينبغي أن تكون باللغة العربية ، وأن يحرص ألا يلحن وألا يُخطئ ؛ لأن ذلك يكون فاحشاً غير مقبول .
التنبيه الثالث: عدم التهويل والتقول
فإن بعض الناس من حماسته المفرطة يهول الأمور ويضخمه ، فقد تقع حادثة يسيرة أو خلل محدود أو خطأ مقصور على أحدٍ بعينه ، فإذا بالخطيب ينذر بالويل والثبور وعظائم الأمور وإذا به يصيح وينوح كأنما قد خربت الدنياكلها ، فهذا لا شك أنه من الأمور الغير موافقة للشرع ؛ لأن الشرع هو ميزانه العدل والتوسط والتحري والتثبت ، ولذلك ينبغي للإمام أن يتثبت وألا يتقول على الناس أو على أهل حيّه أو على عموم المسلمين ، و المبالغة في ذلك مذموم ، والكلامة يطيرها عنك كل مطير )
التنبيه الرابع: التركيز على السلبيات دون الإيجابيات
وهذا أحيانا تميل إليه النفوس الميل للنقد والتجريح ، ولذلك ينبغي ألا يكون ذلك وإن كان فينبغي أن يكون على النهج السوي ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا )
فالنقد للأفعال دون فاعليها وللأقوال دون قائليها حتى يتميز ذلك بما ينفع الناس، ولا شك أن المبالغة في ذلك أيضا مذمومة فقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( من قال هلك الناس فهو أهلكََهم ) ، وفي رواية ضبطها: ( فهو أهلكُهم ) .
وهذا لا شك أنه أيضا نوعاً من إدخال اليأس إلى قلوب الناس بأن كل شيء قد فسد ، وأن كل الأحوال قد اضطربت ، وأن كل المنكرات قد ارتكبت ، وأن كل المصائب قد جاءت ، فماذا يبقى للناس من بصيص الأمل ؟ وأين الإيجابيات والخير الذي ساقه الله - عز وجل - هنا وهناك ؟ ينبغي أن يكون هناك في هذا الجانب إعتدال .
التنبيه الخامس: البعد عن الإختلافات والتشويشات
وأحيانا تجد بعض الناس إذا عنده خصومة مع أحد جعل تصفية خصومه على منبر الجمعة يرد على هذا ويسفه هذا ويقدح في هذا أو يأتي بالمسائل ذات الأشكال العلمية الذي اختلف فيها العلماء التي هي من المسائل الدقيقة ، فيفرّع فيها ويخطئ ويصيب ، كما قد يحصل أحيانا من بعض الناس ، فهذا تشويش يضطرب به الناس ولا يحصل به الفائدة ويخرج بالمنبر عن رسالته ودوره .
التنبيه السادس: الإقتصار على أجزاء دون الشمول لسائر الإسلام
فإن حصر المنبر في تعليم فقه العبادات فقط لا شك أنه أمر في أصله جيد ولكن في الوقوف عليه دون سائر المواضيع موضع نقد ، فينبغي أن يذكر بالإيمان وبالعبادة وبالاخلاق وبالآداب وبالأحكام وبسائر ما في هذا الدين .
هذه بعض الملامح والمعالم في الجوانب الثلاثة التي أشرت إليها ، وأخلص إلى ما أشرت إليه من سبب هذا الموضوع ، وهو ما يتعلق بالملتقى الذي عقد للأئمة والخطباء وأحب أن أشير إلى ذلك إشارات من المنافع والفوائد التي تظهر من خلال مثل هذا العمل المبارك .