فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وكان أحدهم يستحيل أن يأكل الربا أو يتعامل به ولو تعرض للموت، وربما كان متزوجا وله أولاد ومع ذلك يسكن مع أهله في بيت واحد، فلما وصل نساؤهم وأولادهم إلى هذه البلاد وجدوا أنهم بحاجة إلى بيت يملكونه، فطرقوا أبواب البنوك فوجدوا الربا أمامهم، فاستعاذوا بالله منها وابتعدوا، بل وأنكروا أشد الإنكار على من تعامل بها، لكن بعد مرور سنوات تأثروا بمن قبلهم، وأقنعوهم بأن الربا حلال في هذه الديار، خاصة لشراء البيت الأول، كما أفتانا الشيخ الفلاني والشيخ الفلاني، أعني مشايخ الضلال في هذه البلاد وخارجها. أخيرا غيَّر المساكين رأيهم في الربا، فوقعوا فيه واشتروا البيت الأول، ثم المطعم الأول، ثم المحل الأول، وهكذا لم يقفوا عند حد، بل تحولوا والعياذ بالله إلى مستهزئين بمن لا زال يقول بحرمة الربا، غافلين أو متغافلين عن الآيات والأحاديث المحرمة للربا، كقوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275] . وقول جابر بن عبد الله: (( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ ) )رواه مسلم [4] . بل ومقدمين عليها قول من أفتاهم من مشايخ الضلال في الداخل والخارج.
ولا أقول لإخواني: لا تشتروا بيوتا وسيارات ومطاعم ومحلات وابقوا فقراء هكذا، لا بل اشتروا ولو مدينة سدني كلها لكن بالحلال. وقد قال وسيقول أهل الدنيا: إذاً انتظر حتى تجمع المال الحلال وتشتري به بيتا، وقد وُجد أناس قبلك قالوا مثل قولك، ولا زالوا حتى الآن يعيشون بالأجرة لم يحققوا أي مستقبل لهم ولا لأبنائهم، وأنت منهم، نعم أنا منهم، وسأبقى هكذا فقيرا إلى رحمة الله، غنيا عما في أيدي الخلق من حرام، فاللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، ولا تخزنا يوم العرض عليك.
ثم جرَّ الحرام إلى الحرام، كما هي سنة الله القائل: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40] . قالوا هذا البيت الذي تعبنا فيه ووضعنا فيه أموالنا، لا بد أن نؤمنه في شركات التأمين حتى لا نخسره، فأمنوا عليه بالحرام أيضا.
وأقول للذين يؤمنون مستقبلهم ومستقبل أولادهم: لقد أمنتم مستقبلكم فماذا كانت النتيجة؟ هموم وغموم، ومصائب ومشاكل ومتاعب داخل الأسرة، وداخل البيت لا يعلم بها إلا الله، مشاكل بين الزوج وزوجته، ومشاكل بين الأخ وأخيه، ومشاكل بين الأهل وأبنائهم، ومشاكل بين الأولاد ورفاقهم، ومشاكل بين الأولاد ومجتمعهم، كم من زوج طلق زوجته بسبب الذنوب والمعاصي؟ وكم من زوجة طردت زوجها من البيت بعد أن استدعت الشرطة عليه بسبب بعده أو بعدها عن الدين؟ وكم من ولد عق أباه وأمه، بل وضربهما، بل ربما أرسلهما إلى بيت الرعاية عند الدولة؟ وكم من أب يتمنى أنه لم يرزق بأولاد، وكم من أب يعيش عيشة السجين في قصره، والهم والغم والنكد يحيط به من كل جانب، علما بأنه لا ينقص عليه من أمور الدنيا شيئ، كم وكم لا ينتهي. . .
أخي في الله: إن الدنيا الدنيئة ليست مستقبل المسلم، إن مستقبل المسلم الحقيقي جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، الجنة هي مستقبل المسلم، والجنة هي دار إقامة المسلم، وفي الجنة منزل المسلم، ونعيم المسلم، وراحة بال المسلم إن شاء الله تعالى، أما الدنيا فوالله ما رضيها الله جزاءً وثوابا لعبده المؤمن، ولم يرضها دار إقامة وقرار لعبده المؤمن، إنما هي دار عبور ومرور، فأمِّن مستقبلك الأخروي عبد الله، واهتم به خيرٌ لك في الدنيا والآخرة. والله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، لأن تسكن العمر كله بالأجرة خير لك من شراء بيت واحد بالحرام، خير من أن تحل عليك لعنة الله، خير من أن تعرِّض نفسك لعذاب الله في القبر، ويوم القيامة حين يقوم أكلة الربا من قبورهم كالسكارى، يقومون ويقعدون وهم في طريقهم إلى جهنم والعياذ بالله، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275] .
والذي يدعو للدهشة والعجب أن حوالي 90 إلى 95 في المائة من أبناء الجالية الإسلامية التي تعيش في هذه البلاد وغيرها من بلاد الغرب، يتعاملون اليوم بالربا بيعا وشراء، بدءا من شراء البيت وانتهاء بما الله به عليم، وهذه ظاهرة خطيرة كانت من الأسباب المباشرة لما آل إليه حال أبنائنا، عرف ذلك من عرف وجهل ذلك من جهل.