فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وأخرج الإمام أحمد في مسنده قال: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ رَافِعٍ الطَّاطَرِيُّ بَصْرِيٌّ حَدَّثَنِي أَبُو يَحْيَى -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ- عَنْ فَرُّوخَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْه -وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ- خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَرَأَى طَعَامًا مَنْثُورًا فَقَالَ: مَا هَذَا الطَّعَامُ؟ فَقَالُوا: طَعَامٌ جُلِبَ إِلَيْنَا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ وَفِيمَنْ جَلَبَهُ، قِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: فَإِنَّهُ قَدِ احْتُكِرَ، -والاحتكار: إمساك السلعة وعدم بيعها حتى يرتفع سعرها- قَالَ: وَمَنِ احْتَكَرَهُ؟ قَالُوا: فَرُّوخُ مَوْلَى عُثْمَانَ، وَفُلاَنٌ مَوْلَى عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَدَعَاهُمَا فَقَالَ: مَا حَمَلَكُمَا عَلَى احْتِكَارِ طَعَامِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالاَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: نَشْتَرِي بِأَمْوَالِنَا وَنَبِيعُ، فَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: (( مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالإْفْلاَسِ أَوْ بِجُذَامٍ ) )فَقَالَ فَرُّوخُ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أُعَاهِدُ اللَّهَ وَأُعَاهِدُكَ أَنْ لاَ أَعُودَ فِي طَعَامٍ أَبَدًا، وَأَمَّا مَوْلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّمَا نَشْتَرِي بِأَمْوَالِنَا وَنَبِيعُ، قَالَ أَبُو يَحْيَى -راوي القصة- فَلَقَدْ رَأَيْتُ مَوْلَى عُمَرَ مَجْذُومًا [7] . والجذام: مرض تتساقط منه أطراف الجسم.
فاللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة. لذلك أتوجه بهذا النداء القرآني، لكل أخ مقيم على الربا والتعامل به: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278] .
ومن أصرَّ على التعامل بالربا بعدما جاءته موعظة الله عز وجل في هذه الآية الكريمة، فسينتقم الله منه في الدنيا والآخرة كما قال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.. [البقرة:279] . وكما قال أيضا: وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275] .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] البخاري (893) ، مسلم (1829) .
[2] عزاه له الهيثمي في مجمع الزوائد: كتاب الصلاة - باب في المحافظة على الصلاة لوقتها (1677) . وقال: وفيه عباد بن كثير، وقد أجمعوا على ضعفه.
[3] صحيح مسلم (2128) .
[4] الصحيح (1598) .
[5] حلية الأولياء لأبي نعيم (6/98) ، نقلا عن السلسلة الصحيحة للألباني (742) ، وصحيح الجامع (4332) .
[6] المسند (1/395) ، وقال احمد شاكر في تعليقه على المسند: إسناده صحيح. رقم (3754) .
[7] المسند (1/21) ، قال أحمد شاكر: إسناده صحيح. رقم (135) .
الخطبة الثانية
إخواني في الله: بعد سماع ما تقدم أظن أننا أدركنا شيئا من معنى قوله تعالى وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30] .
ولعلنا عرفنا أيضا أسباب المصائب والأمراض التي تصاب بها الشعوب والأمم والأفراد.
كم من شاب طلب من زوجته خلع الحجاب ولبس القصير من الثياب!! وكم من أم أمرت ابنتها بذلك أيضا عسى أن يراها الشباب فيطلبون يدها.
وكم من إنسان دخل سلك التجارة وأصبح يبيع ويشتري الحلال والحرام في محله حتى البيرة ولحم الخنزير، بحجة أن التجارة في المحل لا تمشي إلا ببيع ذلك. وكم من مسلم يعمل في هذه المحلات بحجة أنهم لم يجدوا عملا في غيرها.
وكم من أم تذهب إلى المحل فتشتري ما هب ودبَّ من أنواع الطعام والشراب بدون أن تبحث عن الحلال من الحرام، ولو قيل لها هذا حرام يا أختنا، لرأيتها تغضب وتنظر إليك من أعلى إلى أسفل قائلة: كل شيء عندكم حرام حتى هذا؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها الإخوة المسلمون: أصبح مطعمنا حراما، ومشربنا حراما، وملبسنا حراما، ومسكننا حراما، وغذينا بالحرام، فبالله عليكم كيف يستجيب الله لنا؟ وقد ذكر النبي الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له [1] ، أنى يستجاب لهذا وقد أغلق أبواب استجابة الدعاء كلها، أو كيف نسأل الله الجنة؟ ورسول الله يقول: (( وكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ) ) [2] .
وأخيرا: بعضهم منذ أن وصل إلى هذه الديار وهو لا زال يعمل حتى الآن، وقد جاوز عمره الخمسين أو الستين، ولو سألت عنه: أين هو الآن الآن في هذا اليوم المبارك؟ لقيل لك بكل صراحة: هو في المصنع أو المحل أو السوق، ولو حضر المسجد تراه ينام بسرعة لكثرة الإرهاق والتعب.