فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فأين دلالة ذلك في واقعهم ؟ وأين حقيقة ذلك في مواقفهم .. ونحن نرى الأقوال قد تغيّرت ، والمواقف قد مُسخت ، ونرى صوراً لا تمت إلى حقائق الإيمان وعزته بصلة ، ونرى صوراً لا تمثل شرف وعز الإسلام الذي أخبرنا به الفاروق عمر:"نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومتى ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله".
أين هذه المعاني وهذه المعرفة ؟ إنها تتحول في قلب المؤمن إلى صورة خاشعة ، إلى حقيقة إيمانية في القلوب مستكنة .. خذوا المثل في كلمات جامعات خاشعات لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم ، لنرى كيف ترجم هذه المعرفة في جوانب متعددة في هذه الكلمات الضارعة والدعوة الخاشعة ، في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ حيث يقول: ( اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ،أحيني ما علمت الحياة خير لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي ، اللهم أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الحق والعدل في الغضب والرضى ، وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيماً لا يبيد وأسألك قرة عين لا تنقطع ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم ، في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة ، اللهم زيينا بالإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين ) .
تأمل هذا الحديث رواه ابن خزيمة في التوحيد ، والنسائي في سنده بسند صحيح ..
( اللهم بعلمك الغيب ، وبقدرتك على الخلق ) إنه الثناء الذي يبرز حياة هذه المعاني في قلب المؤمن ، ويدلُّ على استحضاره لها في كل أحواله ، ثم يفوّض الأمر إلى ربه وخالقه .. فهو الأعلم بما يصلح له وما لا يصلحه .
( أحيني إن علمت أن الحياة خير لي ، وتوفني إن علمت أن الوفاة خير لي ) ، ثم دعاء ضارع أن يكون المرء مع الله في كل الأحوال ، لا يخرجه رضاه عن طاعة الله ، ولا يدخله غضبه في سخط الله ، لا يخرج به فقره على الرضى بقضاء الله وقسم الله ، ولا يخرجه غناه عن شكر نعمة الله ، وتصريفها ووضعها في مرضاة الله .
وهكذا يكون الأمر ، ثم ينتقل الدعاء الخاشع إلى ما وراء الحياة الدنيا ، إلى ما وراء هذه الحجب الكثيفة ، والأستار الغليظة إلى الآخرة وقوفاً بين يدي الله ، نعيماً لا يغيب ، قرة عين لا تنقطع ، لذة النظر إلى الحق سبحانه وتعالى .
ثم هذا الختم العظيم من رسولنا صلى الله عليه وسلم: ( اللهم زيينا بالإيمان واجعلنا هداة مهتدين ) .
إنها كلمات لكنها تعبر عن حقائق الإيمان ، عن وضوح وعمق وصدق هذه المعرفة بالله سبحانه وتعالى .
إنني اليوم أتساءل وقد كنت أفكر بالأمس: ما عسى يكون موضوع خطبتنا ، وذلك حال كل خطيب ، وأثناء تفكيري وجدت هذه الكلمة في خاطري وعلى لساني كلمة لفظ الجلالة الله ، وحينئذ وجدت أن الحقائق المبسوطة في كتاب الله التي هي أول واجب علينا جميعاً تحتاج إلى هذه التذكرة ، ورأيت أن قلوبنا لا تستحضرها ولا تعيشها كما ينبغي وكما يجب ، ورأيت أن نفوسنا لا تتعلق بها ولا تشتاق إليها ولا تنهل منها كما ينبغي .
ولعلنا نحتاج فعلاً إلى وقفة يطول فيها حزننا على حالنا وليس قليلاً أن تجري دموعنا على وجناتنا حزناً على خواء القلوب ، وجفاف النفوس من هذه المعاني وتلك الحقائق التي إذا غمرت القلب لم نعد نرى ما نراه من فاحش القول ، ولا سيء الفعل ، ولا خبث النية ولا غير ذلك من صور الانحراف عن الله عز وجل ، وطلب مرضاته وانحراف عن شرع الله وعن هدي رسوله صلى الله عليه وسلم .
كم نحن في حاجة إلى هذه المعرفة وسنزيد بإذن الله عز وجل فيها ، وفي تلمس الطريق إليها ، وفي بيان آثارها ، وفي بيان منهج النبي صلى الله عليه وسلم في غرسها ، في قلوب أصحابه ، لعل الله عز وجل أن يتداركنا برحمته ..
نسأل الله عز وجل أن يعرفنا حق المعرفة بأسمائه وصفاته ، وأن يحي بهذه المعرفة قلوبنا ونفوسنا وأرواحنا ، وأن يقوم بها أقوالنا وأعمالنا وأحوالنا .. إنه وليّ ذلك والقادر عليه ..
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه ، وإن من أعظم الزاد زاد التقوى النهل من القرآن الكريم والوقوف عند آيات معرفة الله وعظمته سبحانه وتعالى .
وإن الجانب الآخر يجعلنا كذلك في مواجهة خطيرة مع أنفسنا ، ذلك أن الجانب المقابل الذي قد نقع فيه ، والذي قد ترويه صور حياتنا أفراداً أو أمة هو جانب جاء في القرآن كثيراً مقترناً - والعياذ بالله - بالكفر والإعراض بالله ، إنه جانب الغفلة عن هذه المعرفة ، إنه جانب إدارة الظهر لهذه المعرفة وعدم ظهور حقيقتها لواقع الحياة .. { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك } .