فهرس الكتاب

الصفحة 4441 من 9994

{ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .

فأما عاد وهم مضرب مثل في القوة والجبروت وفي التمكّن من أسباب هذه القوة الأرضية ..

{ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ * وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .

ولو مضينا لرأينا في ذلك عِبراً كثيرة وآيات عديدة ، ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - يخبرنا في الصحيح عنه: ( إن الله ليمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) ، ثم يتلو قول الحق جل وعلا: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } .

والمتأمل في آيات القرآن يظهر له ما تنبئ عنه مما ينبغي الإيمان به واليقين به من قوة الله - عز وجل - المطلقة ، ومشيئته النافذة ، فالله - جل وعلا - على كل شيءٍ قدير ، وهو الذي لا يُعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء ، وهو الذي أمره بين الكاف والنون ، وهو الذي يجري كل شيءٍ بأمره وقدره - سبحانه وتعالى -.

إن الإنسان المؤمن حينئذٍ يتعظ ويعتبر ويدرك ويوقن ما ينبغي أن يكون حاضراً في قلبه وإيمانه من عظمة قوة الله - سبحانه وتعالى - وأن كل قوى الأرض مهما بلغت لا تعادل شيئاً مذكوراً في قوة الله سبحانه وتعالى ، وأنه - جل وعلا - إذا كان هو كما أخبر - جل وعلا - الرزّاق ذو القوة المتين ، والذي أخبر أنه ينصر عباده وعقّب بأنه هو القوي العزيز ، فحينئذٍ لابد أن تتعلق قلوب المؤمنين والمسلمين به ثقة به ، وتوكلاً عليه ، واعتماداً عليه ، ورجاءً فيه ، وخوفاً منه ، وإنابة إليه ، وتعلّقاً به ، فلا خوف إلا منه ، ولا رجاء إلا فيه ، ولا ثقة إلا به ، ولا توكل إلا عليه ..

ينفض المؤمن - إذا تيقن بذلك - كل اعتمادٍ على أسباب الأرض ، وإنما يأخذ بها بسنة الله - سبحانه وتعالى - ويرفض أن يكون ذليلاً أو خاضعاً لغير قوة الله - سبحانه وتعالى - وجبروته .

نسأل الله - عز وجل - أن يعظّم الإيمان في قلوبنا ، وأن يزيد اليقين في نفوسنا ، وأن يجعلنا معتمدين متوكلين على قوة الله ، مستعينين بنصرة الله ، خائفين من بطش الله ، راجين في نعيم الله إنه ولي ذلك والقادر عليه .

الخطبة الثانية

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

إن ما جرى في الدولة العظمى والقوة الكبرى يعطينا كثيراً من الدروس لعل من أجلاها وأبرزها هذا الدرس العظيم في بيان قوة الله وقدرته - سبحانه وتعالى - وحقيقة ضعف البشر وذلّهم وعدم قدرتهم الحقيقية إزاء قوة الله سبحانه وتعالى ، فكم مُلئت قلوب بالتعظيم الزائف ، وبالتخوف الهائل ، وبكثيرٍ من صور الاغترار والافتتان التي لا تتفق مع حقيقة الإيمان ومع عزة الإسلام ، وكذلكم نرى كثيراً من المواقف التي تستدعي الانتباه ، والتي ينبغي لفت النظر إليها والادكّار بها من غير ما تعلّق بأمور تتشفى بها النفوس أو نحو ذلك ؛ فإن المعاني الإنسانية أعظمها وأولها وأجدرها هي في دين الإسلام .

وإن حقيقة هذا الدين العظيم في كل شرائعه وفي سائر أحكامه يمثل القمة العظمى في مراعاة الحقوق وتحقيق العدالة والإنصاف ومراعاة الإنسانية في كل مجالاتها ، ألسنا علمنا ونعلم وصية أبي بكر رضي الله عنه عند الجهاد والقتال في شأن مراعاة الشيوخ الكبار والنساء الضعاف والأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة مراعاة وإن كان ذلك في مواجهة ! فكيف وأنّ ذلك في غيرها؟ وأن هذه المعاني لا يزايد فيها أحد على أهل الإيمان والإسلام إذا عرفوا قيمتها وعرفوا دينهم حقيقة المعرفة ثم كذلك ننظر إلى عاقبة الظلم الوخيمة ..

لا تظلمن إذا كنت مقتدراً فالظلم عقباه تفضي إلى الندمِ

تنام عيناك والمظلوم منتبهٌ يدعو عليك وعين الله لم تنمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت