فهرس الكتاب

الصفحة 4471 من 9994

وقال ابن القيم:"ومن خواصِّ البلد الحرام أنّه يعاقب فيه على الهمّ بالسيئات وإن لم يفعلها, قال تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ، فتأمل كيف عدّى فعل الإرادة ها هنا بالباء, ولا يقال: أردت بكذا إلا لما ضُمِّن معنى فِعل: هَمّ, فإنه يقال: هممت بكذا, فتوعّد من همّ بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم, ومن هذا تضاعف مقادير السيئات فيه لا كمياتها, فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن سيئة كبيرة وجزاؤها مثلها, وصغيرة جزاؤها مثلها, فالسيئة في حرم الله وبلده وعلى بساطه آكد وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض, ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه, فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات، والله أعلم" ( [11] ) .

9-قال الله تعالى: {ذالِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبّهِ} [الحج:30] .

قال مجاهد في قوله: {ذالِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ} قال:"الحرمة مكة والحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلِّها" ( [12] ) .

وقال ابن القيم:"قال جماعة من المفسرين: حرمات الله ها هنا مَغاضِبه وما نهى عنه، وتعظيمها ترك ملابستها, وقال قوم: الحرمات هي الأمر والنهي, وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه, وقال قوم: الحرمات ها هنا المناسك ومشاعر الحج زمانا ومكانا, والصواب أن الحرمات تعمّ هذا كلَّه, وهي جمع حرمة, وهي ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن, فتعظيمها تَوفِيَتها حقَّها وحفظها من الإضاعة" ( [13] ) .

10-قال الله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَاذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَاذَا الْبَلَدِ} [البلد:1، 2] .

قال ابن عباس: ( {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَاذَا الْبَلَدِ} يعني بذلك نبيَّ الله, أحلَّ الله له يومَ دخل مكةَ أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء, فقتل يومئذ ابن خطل صبرًا وهو آخذٌ بأستار الكعبة, فلم تحلّ لأحد من الناس بعدَ رسول الله أن يقتلَ فيها حراما حرمه الله, فأحلّ الله له ما صنع بأهل مكة, ألم تسمع أن الله قال في تحريم الحرم: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97] ؟! يعني بالناس أهل القبلة) ( [14] ) .

قال القرطبي:"والبلد هي مكة، أجمعوا عليه، أي: أقسم بالبلد الحرام الذي أنت فيه لِكَرامتك عليَّ وحبِّي لك" ( [15] ) .

11-قال الله سبحانه: {وَالتّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَاذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} [التين:1-3] .

قال ابن عباس وغيره: (البلد الأمين مكة) ( [16] ) .

وقال ابن جرير الطبري:"وقوله: {وَهَاذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} يقول: وهذا البلد الآمن من أعدائه أن يحاربوا أهله أو يغزوهم, وقيل: الأمين ومعناه الآمن, كما قال الشاعر:"

ألم تعلمي يا أَسمَ ويحَك أنني حلفتُ يمينا لا أخون أميني

يريد: آمني, وهذا كما قال جل ثناؤه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت:67] " ( [17] ) ."

12-قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} [سورة الفيل] .

قال ابن كثير:"هذه من النعم التي امتنّ الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحوِ أثرها من الوجود, فأبادهم الله وأرغم آنافهم وخيّب سعيَهم وأضلّ عملهم وردّهم بشرّ خيبة, وكان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال, ولسان الحال يقول: لم ينصركم ـ يا معشر قريش ـ على الحبشة لخِيريّتكم عليهم, ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرّفه ونعظمه ونوقّره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء" ( [18] ) .

13-قال الله تعالى: {لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشّتَاء وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَاذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ} [سورة قريش] .

قال ابن جرير الطبري:"اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {وَءامَنَهُم مّنْ خَوْفٍ} ، فقال بعضهم: معنى ذلك أنه آمنهم مما يخاف منه من لم يكن من أهل الحرم من الغارات والحروب والقتال والأمور التي كانت العرب يخاف بعضها من بعض, وقال آخرون: عنى بذلك وآمنهم من الجذام."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت