فهرس الكتاب

الصفحة 4590 من 9994

واستدلوا: بحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما يوجب الحج؟ قال: (( الزاد والراحلة ) ) ( [15] ) .

والقول الثاني: أنه لا يشترط وجود الزاد والراحلة، بل يجب الحج على القادر على المشي إن أمكنه الوصول بلا مشقة عظيمة زائدة على مشقة السفر العادية، وهو الصحيح من مذهب المالكية ( [16] ) .

وقالوا: إن الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة لا يثبت.

قال ابن العربي موضحاً معنى الاستطاعة:"فإن السبيل في اللغة هي الطريق، والاستطاعة ما يكسب سلوكها وهي صحة البدن ووجود القوت لمن يقدر على المشي، ومن لم يقدر على المشي فالركوب زيادة على صحة البدن ووجود القوت..." ( [17] ) .

وقال القرطبي:"وأما المستطيع بنفسه وهو القوي الذي لا تلحقه مشقة غير محتملة في الركوب على الراحلة فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج بنفسه، وإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهما سقط عنه فرض الحج..." ( [18] ) .

وقال الشوكاني:"وقد اختلف أهل العلم في الاستطاعة ماذا هي؟ فقيل: الزاد والراحلة وإليه ذهب جماعة من الصحابة، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وهو الحق... ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة دخولاً أولياً أن تكون الطريق إلى الحج آمنة بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله الذي لا يجد زاداً غيره، أما لو كانت غير آمنة فلا استطاعة لأن الله سبحانه يقول: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:97] ، وهذا الخائف على نفسه أو ماله لم يستطع إليه سبيلاً بلا شك ولا شبهة..." ( [19] ) .

وقال الشنقيطي رحمه الله:"الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن حديث الزاد والراحلة، وإن كان صالحاً للاحتجاج لا يلزم منه أن القادر على المشي على رجليه بدون مشقة فادحة لا يلزمه الحج إن كان عاجزاً عن تحصيل الراحلة، بل يلزمه الحج لأنه يستطيع إليه سبيلا، كما أن صاحب الصنعة التي يحصل منه قوته في سفر الحج، يجب عليه الحج لأن قدرته على تحصيل الزاد في طريقه كتحصيله بالفعل."

فإن قيل: كيف قلتم بوجوبه على القادر على المشي على رجليه دون الراحلة، مع اعترافكم بقبول تفسير النبي صلى الله عليه وسلم السبيل بالزاد والراحلة، وذلك يدل على أن المشي على الرجلين ليس من السبيل المذكور في الآية؟

فالجواب من وجهين:

الأول: أن الظاهر المتبادر أنه صلى الله عليه وسلم فسر الآية بأغلب حالات الاستطاعة، لأن الغالب أن أكثر الحجاج أفقيون، قادمون من بلاد بعيدة، والغالب عجز الإنسان عن المشي على رجليه في المسافات الطويلة وعدم إمكان سفره بلا زاد، ففسر صلى الله عليه وسلم الآية بالأغلب، والقاعدة المقررة في الأصول أن النص إذا كان جارياً على الأمر الغالب لا يكون له مفهوم مخالفة، ولأجل هذا منع جماهير العلماء تزويج الرجل ربيبته التي لم تكن في حجره قائلين: إن قوله تعالى: {اللَّاتِى فِى حُجُورِكُمْ} [النساء:23] جرى على الغالب، فلا مفهوم مخالفة له كما قدمناه مراراً، وإذا كان أغلب حالات الاستطاعة الزاد والراحلة، وجرى الحديث على ذلك، فلا مفهوم مخالفة له، فيجب الحج على القادر على المشي على رجليه، إما لعدم طول المسافة، وإما لقوة ذلك الشخص على المشي، وكذلك يجب على ذي الصنعة التي يحصل منها قوته في سفره، لأنه في حكم واجد الزاد في المعنى، والعلم عند الله تعالى.

الوجه الثاني: أن الله جل وعلا سوى في كتابه بين الحاج الراكب والحاج الماشي على رجليه. وقدم الماشي على الراكب، وذلك في قوله تعالى: {وَأَذّن فِى النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ} [الحج:27] " ( [20] ) ."

وخصال الاستطاعة التي تشترط لوجوب الحج قسمان: شروط عامة للرجال والنساء، وشروط تخص النساء.

فأما الشروط الخاصة بالنساء فهي: وجود المحرم، وأن لا تكون معتدةً عن طلاق أو فاة.

قال الكاساني رحمه الله:"وأما الذي يخص النساء فشرطان، أحدهما: أن يكون معها زوجها أو محرم لها، فإن لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج. والثاني: أن لا تكون معتدة عن طلاق أو وفاة" ( [21] ) .

وقسم بعض أهل العلم ( [22] ) هذه الشروط إلى ثلاثة أقسام:

1.شرطان للوجوب والصحة وهما: الإسلام والعقل، فلا يجب الحج ولا يصح من كافر ولا مجنون.

2.شرطان للوجوب والإجزاء وهما: البلوغ وكمال الحرية، فلو حج صبي أو رقيق صح منهما ولا يجزئ ذلك عن حجة الإسلام.

3.شرط وجوب: وهو الاستطاعة، فلا يجب على غير المستطيع، لكن لو تكلّف من استوفى باقي الشروط صحّ منه وأجزأ عنه.

2-هل الحج واجب على الفور أم على التراخي؟

اختلف العلماء رحمهم الله في ذلك إلى قولين:

القول الأول: أنه يجب على الفور، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ( [23] ) ، والمالكية في أصح القولين ( [24] ) ، والحنابلة ( [25] ) . وإليه ذهب ابن تيمية ( [26] ) ، وابن باز ( [27] ) ، وابن عثيمين ( [28] ) .

واستدلوا بما يلي:

1-قوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران:97] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت