ولا شك أن هذا الثواب الجزيل .. لا يكون لمن امتنع عن الطعام والشراب فقط .. وإنما لا بد أن يتأدب بآداب الصوم ..
فالصائم المتقي .. يحفظ اللسان .. كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: ( من لم يدع قول الزور والعمل به .. فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه ) ..
وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: ( الصوم جنة .. فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل .. فإن سابه أحد فليقل إني امرؤ صائم ) ..
وقد كان السلف يحذرون من فلتات اللسان .. في غير صومهم فكيف بهم إذا صاموا ..؟!!
كان أبو هريرة رضي الله عنه وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد .. وقالوا: نحفظ صيامنا ..
وهذا هو حال العاقل .. فلماذا يغتاب الناس فيعطي حسناته لغيره ..
قال عبد الله بن المبارك لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله .. ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة ..
فقال سفيان: هو أعقل من أن يسلط على حسناته من يذهب بها ..
بل كان بعضهم يحاسب نفسه على الكلام المباح فضلاً عن غيره ..
ذكر ابن قدامة في الرقة والبكاء .. عن:
مالك بن ضيغم عن أبيه قال:
جاءنا رياح القيسي يسأل عن أبي بعد العصر .. فقلنا: هو نائم ..
فقال: أنوم بعد العصر ؟ هذه الساعة ؟ هذا وقت نوم !!
ثم ولى .. فقلنا للخادم: الحقه .. فقل: نوقظه لك ؟ فذهب الخادم .. فلم يرجع الخادم إلا بعد المغرب .. فقلنا: أبلغته ..
فقال: هو كان أشغلَ من أن يفهم عني .. أدركته وهو يدخل المقابر .. وهو يوبخ نفسه .. يقول: يا نفس أقلت: أي نوم هذا ..
لينم الرجل متى شاء .. تسألين عما لا يعنيك ..
أما إن لله عز وجل على عهداً .. أن أصلي كذا وكذا ..
نعم دقق على نفسك .. ولا تحتقرن شيئاً ..
جلست عائشة يوماً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فذكرت له صفيه - إحدى زوجاته .. وتعلمون ما يقع بين الضرائر من الغيرة - قالت عائشة:
يا رسول الله .. حسبك من صفية كذا وكذا .. تعني قصيرة ..
فقال صلى الله عليه وسلم: لقد قلت كلمة .. لو مزجت بماء البحر لمزجته .. رواه الترمذي وقال حسن صحيح ..
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال:
إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار .. أبعدَ مما بين المشرق والمغرب ..
أيها الصائمون والصائمات ..
ومن أفضل الأعمال .. في هذا الشهر الكريم ..قيام الليل ..
في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً ، غفر له ما تقدم من ذنبه ) ..
ومدح الله المؤمنين فقال: ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً * والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ) ..
وقد كان قيام الليل دأب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ..
ففي الصحيح عن حذيفة قال:
صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة .. فافتتح البقرة .. فقلت:
يركع عند المائة .. ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة ..
فمضى .. فقلت: يركع بها .. ثم افتتح النساء .. فقرأها ..
ثم افتتح آل عمران .. فقرأها ..
يقرأ مترسلاً .. إذا مر بآية فيها تسبيح .. سبح ..
وإذا مر بسؤال .. سأل .. وإذا مر بتعوذ .. تعوذ ..
ثم ركع فجعل يقول سبحان ربي العظيم .. فكان ركوعه نحواً من قيامه .. ثم قال: سمع الله لمن حمده .. ثم قام طويلاً قريباً مما ركع ..
ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريباً من قيامه ..
أما أبو بكر رضي الله عنه .. فكان يصلي من الليل ما شاء الله .. ويبكي ..
وأما عمر رضي الله عنه .. فكان يصلي من الليل ما شاء الله .. حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة ثم يقول لهم: الصلاة ، الصلاة .. ويتلو هذه الآية: ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) ..
نعم كان أحدهم يصلي لربه .. صلاة عبد مشتاقٍ إليه .. معترفٍ بفضله عليه.. متذللٍ منكسرٍ بين يديه ..
فيزداد محبة إلى محبته.. وشوقاً إلى دخول جنته..
يود أن ظلام الليل دام له * وزيد فيه سواد القلب والبصر
وهكذا كان من بعدهم ..
كان محمد ابن خفيف .. رحمه الله به وجع الخاصرة ..
فكان يشتد عليه حتى يقعده عن الحركة ..فكان إذا نودي بالصلاة..
يحمل على ظهر رجل إلى المسجد .. فقيل له: إن الله قد عذرك ..
فلو خففت على نفسك .. فقال: كلا .. إذا سمعتم حي على الصلاة .. ولم تروني في الصف فاطلبوني في المقبرة ..
لله درهم من مرضى.. بل والله نحن المرضى..
وكان منصور بن المعتمر .. إذا جن عليه الليل .. يلبس من أحسن ثيابه .. ثم يرقى إلى سطح بيته .. ويصلي ..
فلما مات .. قال غلام جيرانهم لأمه: يا أماه .. الجذع الذي كان ينصب في الليل في سطح جيراننا .. ليس أراه ..
فقالت: يا بني .. ليس ذاك جذعاً ذاك منصور كان يصلي .. وقد مات..
وكانوا يستشعرون عظمة ربهم إذا وقفوا بين يديه ..