كان أبو زرعة الرازي إماماً في مسجد قومه عشرين سنة ..
فجاءه يوماً .. قوم من طلاب الحديث ..
فنظروا فإذا في محرابه كتابة .. فقالوا له: ما حكم الكتابة في المحاريب ؟ فقال: قد كرهه قوم ممن مضى .. فأنا أنهى عنه وأكرهه ..
فقالوا: هو ذا في محرابك كتابة .. أو ما علمت بها ..!!
فقال: سبحان الله !! رجل يقف بين يدي الله تعالى .. ويدري ما بين يديه ..
أما سفيان الثوري.. فقد حدث عنه عبد الرزاق .. أحد طلابه .. قال: قدم عليَّ سفيان الثوري .. بعد العِشاء .. فوضعت له العَشاء .. والزبيب والموز .. فأكل أكلاً جيداً ..
فلما فرغ .. قام .. وتوضأ .. ثم شد على وسطه إزاره .. واستقبل القبلة وقال .. يا عبد الرزاق !! يقولون: اعلف الحمار ثم كده ..
ثم صف قدميه يصلي حتى الصباح ..
وقال ابن وهب: رأيت سفيان الثوري في الحرم بعد المغرب .. صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع حتى نودي بالعشاء ..
نعم .. كانوا يتسابقون على الخير ..
قام أبو مسلم الخولاني ليلة .. فتعبت قدماه فضربهما بالسوط .. وأخذ يقول: أيظن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليه ؟ والله لنزاحمنهم عليه .. حتى يعلموا أنهم خلفوا وراءهم رجالاً ..
وكانوا يجدون في الصلاة خشوعاً .. وفي السجود خضوعاً ..
ذكر الذهبي عن بعض أصحاب شعبة بن الحجاج قال:
كان شعبة يطيل الصلاة .. وما رأيته ركع في الصلاة قط إلا ظننت أنه نسي .. ولا قعد بين السجدتين إلا ظننت أنه نسي ..
وفي الحلية: أن عبيدة بن مهاجر .. كان عابداً شاكراً .. متخشعاً ذكراً .. وكان له أم مجوسية .. فكان يبرها أشد البر .. ويدعوها إلى الإسلام فتأبى عليه ..
فرجع من صلاة العصر يوم الجمعة .. فبشرته أنها أسلمت .. ونطقت الشهادتين .. فخر ساجداً لله .. يبكي ويناجي .. فما رفع رأسه حتى غابت الشمس ..
ولم يكن العباد من الرجال فقط ففي النساء نصيب ..
فمعاذة العدوية كانت تصلي أكثر الليل .. وتقول:
عجبت لعين تنام وقد عرفت طول الرقاد في ظلم القبور .. وتبكي ..
وكانت حفصة بنت سيرين تسرج سراجها من الليل ثم تقوم في مصلاها .. وكانت تقرب كفنها .. لتذكر الموت في صلاتها .. فتخشع ..
نعم .. كانوا يركعون ويسجدون .. ويصلون ويقومون .. حتى صار ذلك لهم عادة ..
كان للحسن بن صالح جاريةٌ فاشتراها منه بعضهم .. فلما انتصف الليل عند سيدها الجديد قامت تصيح في الدار:
يا قوم ..الصلاة ..الصلاة .. فقاموا فزعين .. وسألوها: هل طلع الفجر ؟ فقالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة ؟! ثم قامت تصلي ..
فلما أصبحت رجعت سيدها الأول ..
وقالت له: لقد بعتني إلى قوم سوء لا يصلون إلا الفريضة ولا يصومون إلا الفريضة فردني فردها ..
فليت شعري .. ماذا تقول تلك الجارية لو رأت فريقاً من مسلمي زماننا .. الذين تمر عليهم الأيام تترى .. وهم على فرشهم يتقلبون ..
فلا الليلَ يقومون .. ولا صلاةَ الفجر يشهدون ..
فكانوا كما قال الله { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً } ..
وكانوا في رمضان أشدَّ منهم اجتهاداً ..
فكان الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه يصلون ثلاثاً وعشرين ركعة .. ويختمون القرآن مراراً في رمضان ..
وفي الموطأ عن ابن هرمز قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان .. فكان القارىء يقوم بسورة البقرة في ثمان ركعات .. فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعةً .. رأى الناس أنه قد خفف ..
وفي الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال: كنا ننصرف من القيام في رمضان .. فنستعجل الخادم بالطعام مخافة الفجر ..
وفي شعب البيهقي عن خالد بن دريك قال: كان لنا إمام بالبصرة يختم بنا في شهر رمضان في كل ثلاث .. فمرض فأمنا غيرُه .. فختم بنا في كل أربع .. فرأينا أنه قد خفف ..
وقال السائب بن زيد: كان القارئ يقرأ بالمئين - يعني بمئات الآيات - حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام .. وما كنا ننصرف إلا عند الفجر ..
فقارن حالهم بحالنا اليوم ..
ومن فضل الله تعالى .. أن من صلى التراويح كاملة مع الإمام ..
فكأنما قام الليلة كاملة .. كما في السنن أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( من قام مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) ..
نعم .. قوم عبدو ربهم .. فخافوا من عقوبته .. ورغبوا في معاماته .. وتعلقت قلوبهم بمحبته ..
فكثر في الدنيا اجتهادهم .. حتى علت بين الناس رتبهم .. فأحبهم أهل السماء .. ووضع حبهم في الأرض ..
قال الله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } ..
شهر رمضان هو شهر القرآن ..
وكان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان ..
وكان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن كل يوم مرة ..