فهرس الكتاب

الصفحة 5470 من 9994

خذ مثلاً النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم بدر لما أراد أن يعرف قوة أعدائه وعددهم قال: كم ينحرون من الإبل ؟ فقيل له: كذا وكذا حينها عندما علم هذه المعلومة المعلومة ليست مباشرة في الأمر ، لكن كل ناقة أو كل جمل يأكله عدد من الناس ، قال: القوم بين التسعمائة وألف .. هكذا استنتج من المعلومة بمعادلة بسيطة ، ولذلك لا بد من تحليل المعلومات والاستفادة منها ، وهذا أمر - كما قلنا - مهم جداً .

طبعاً طرق تحصيل المعلومات إما أن تكون المعلومات متاحة ، وإما أن يسعى إليها الإنسان من خلال المقابلات ، أو من خلال الاستشارات أو من خلال الوسائل المتاحة في المعلومات من كتب أو غيرها.

الأساس الثالث: الاستشارة

وما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار .. الاستشارة والمشاورة أمر من صميم ديننا ، وقد أمر به من هو أغنى الناس وأغنى الخلق عن المشاورة .. إن قلنا: إن المشاورة تدل على نقص في عقلً أو تدل على فقر في خبرة ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مبرأ من ذلك ومع ذلك أمر بقول الله عز وجل: { فشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتؤكل على الله } ، ووصف المؤمنون بأنهم كما قال الله عز وجل: { أمرهم شورى بينهم } .

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( ما رأيت أحداً أكثر مشاورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .

وفي الحديث بسند الرجال ورجال الصحيح من حديث عبدالله ابن الزبير رضي الله عنه ( قال المستشار مؤتمن ) ، وهذا يدل على أن هناك من يستشار وأن الاستشارة مرغوب فيها وأنها تحتاج إلى الأمانة

وكما قال القائل:

الرأي كالليل مسود جوانبه والليل لا ينجلي إلا بمصباح

فأضمم مصابيح آراء الرجال إلى مصباح رأيك تزدد ضوء مصباحِ

فإن ملاقحة العقول وأخذ آراء الرجال يكون له أثر محمود في الوصول إلى الرأي الصحيح والاختيار المناسب بإذن الله - عز جل - وهنا نسأل من هو المستشار؟ ومن الذي نأخذ مشورته؟ ومن نسأل إذا أردنا أن نتخذ قراراً هناك أمران اثنان في الجملة صلاح، وكفاية يعني في المر الذي نستشير فيه .

وكما كنت أضرب مثلاً في بعض الموضوعات الأخرى كنت أقول: إذا تعطلت سيارة أحدكم فماذا يصنع وأين يذهب ؟ فأجاب الجميع: بأنه يذهب إلى الميكانيكي الذي يصلح السيارات ! وقلت: ولماذا لا تذهب إلى إمام المسجد ؛ فإنه رجل صالح يحفظ القرآن ويصلي بالناس ؟ فماذا يقول لك ؟ يقول:"هو صالح لكنه غير متخصص .. ليس هذا مجاله"بل هذا قد قاله أهل العلم في الحديث وهذا الذي مثل نضربه في علوم الحديث عند تدريسها ؛ لأن مالك - رضي الله عنه - كان يقول:"أدركت في هذا المسجد - وهو مسجد رسول الله - سبعين مما يستسقى بهم"، فإذا صلاحهم وتقواهم كلهم لا يؤخذ منهم حديث ، ولم يقال ليس من أهله .. لم يتخصصوا فيه .. ولم ينتدبوا له .. ولم يحفظوا نصوصه .. ولم يعرفوا رجاله فلا يؤخذ منهم ، وليس ذلك قدحاً فيهم ، ولا نقصًا من قدرهم .

فينبغي أن نأخذ جانب الصلاح مع جانب التخصص فإذا أصابتك علة في بدنك فأذهب إلى طبيبً ثم اختر من الأطباء أصلحهم وأورعهم وأتقاهم فتكون قد جمعت بين الحسنيين ، فإذاً في جانب الصلاح الإيمان والصدق والإخلاص الإيمان فالمؤمن لا يكذب ، بل إنه يصدقق وينصح لك والإخلاص والشفقة فلإخلاص يولد الشفقة ؛ فإنه يريد مصلحتك فيخشى عليك المضرة ، وبالنسبة للكفاية علم بالأمر وخبرة فيه وتجربة سابقة فإن من حاز ذلك فإنه يكون أهلاً للمشورة.

ماذا تجني من المشورة والاستشارة ؟

1-أفكار جديدة قد تكون مناسبة وملائمة لا تخطر ببالك ولم ترد على عقلك ، وهذا شيء طبعي ؛ فإن الإنسان يفكر في الأمر فيرى فيه حلان أو ثلاثة ، فإذا سأل غيره زاده واحدة ، وإذا سأل ثالثاً زاده رابعاً ، لكن إذا استشار مائة جاءه مائة حلاً لم يعرف بعد ذلك ما الذي يختار منها يغرق في بحر من هذه الاختيارات ، فلذلك ينبغي أن تكون الاستشارة محدودة بقدر الحاجة - كما قلت - إذا أردت أن تهدي هدية استشر واحداً ممن حولك ، هل أهدي هذه أو تلك ؟ لكن لا تجمع لها كل أصدقائك وكل الخبراء والعلماء حتى يعطوك رأي في مثل هذا ؛ فإن هذا يزيدك حيرة وأيضاً يضيع الجهد والوقت في مثل هذا ، ثم أيضاً يكون في المشورة نوع من تحمل المسؤولية ؛ فإن الإنسان إذا اتخذ القرار وحده فأخطأ عنّف نفسه ولامها ، فإذا كان قد استشار ذوي الخبرة ثم وقع الخطأ كان وضع ذلك على نفسه أخف ، ووطأة اللوم عنده أقل ، ورضاه عمن شهد فيه والأسباب الذي أخذ بها أكبر ، فيكون ذلك أعون له على أن يتجاوز الخطأ وينتفع به في مرات قادمة .

وهذه مسألة مهمة ؛ فإن بعض الناس ينفرد برأيه حتى إن كان الأمر يخصك إن أشركت غيرك ممن تثق به - كما قلنا - وفيه خير ، يكون لذلك أثر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت