إن كنت ضعيفاً وخصمك قوي لا تستطيع في المصارعة أن تصرعه فانتظر حتى تتقوى أو خذ أساليب غير أساليب القوة خذ قوة العقل الذي قد تفوقه فيه فدبر الحيلة في مواجهته ورد كيده ، فالمسألة لا بد من معرفة مكمن القوة ، هل قوتك في ذكائك ؟ هل قوتك في بدنك ؟ هل قوتك في حسن معاملتك ؟ اكتشف قوتك في ما تحتاج إليه في الأمر التي أنت فيه ، ومن هنا هذا الأمر مهم ذكر ابن حجر - رحمه الله - في تعليقه على بعض الأحاديث ، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ذكر ما ذكره بعض أهل العلم كالشافعي وغيره عندما قالوا:"إن طلب العلم أفضل من أداء النوافل من الصلوات"، علّق على ذلك تعليقاً جميلاً ما مفاده:"اعرف نفسك فإن كنت من أهل العبادة والجلد في الطاعة ، فخذ بها وزد منها ، وإن كنت من أهل العلم ؛ فإن أخذك له ربما كان أنفع"، لكنه قال:"فإن كنت تعلم أنك من لست صاحب حافظة قوية ولا ذهن صافي ولا ذاكرة حديدية فلا تتعب نفسك ، ولا تضيّع وقتك في طلب العلم"؛ لأنه سيتخذ مجالاً بمعنى ليس لطلب العلم الأساسي وإنما طلب العلم الذي تريد أتتطور فيه وأن تتوسع وأن تكون فيه صاحب اختصاص بما هو أكثر من حاجتك الشخصية فهذا أمر أيضاً مهم جداً.
الأساس الخامس التحليل والدراسة
فإن كل الذي ذكرناه من المعلومات التي جمعتها والمشورات التي حصّلتها ، والإمكانات التي عرفتها ، كل ذلك يحتاج إلى أن تدرسه مع بعضه البعض لتنظر في أمرك وتتخذ قرارك ما الذي تدرسه؟ وما الذي تحلله ؟ السلبيات والإيجابيات عندي خياران فأنظر لو أنني أخذت في هذا ما الذي سيحصل سأجني كذا وكذا وكذا ، وقد يقع علي كذا وكذا أنظر إلى الثاني فإن رأيت ترجيح المصالح أكثر من المفاسد كان هذا معين على اتخاذ القرار ، وأيضاً يدرس عنصر الزمن هل هذا القرار مسألة عابرة أم قرار مصيري؟ هل هو طويل المدى أم قصير المدى؟ فإذاً أحتاج لمثل هذا الأمر والتفكير فيه أيضاً أنظر إلى الآثار هل ستكون آثاره علي وحدي أم علي وعلى أبنائي وأسرتي ؟ علي وعلى حولي من الناس أم علي وعلى وزملائي ؟ ما الذي سيترتب على هذا القرار؟ هل القرار لذاته أم لغيره؟ هل أنا أريد أن اتخذ القرار لذاته أم أنا أريده أن يحصل شيء آخر متعلق به؟
من اللطائف مما يكون في هذا سئل عنترة عن شجاعته وخوف الشجعان منه كيف حصل ذلك؟ قال:"إني لأعمد إلى الرجل الجبان الرعديد فأضربه ضربة ينخلع لها قلب الكني الشجاع"، فهو ذهب إلى هذا قصداً لكي يكون عبرةً ولكي يكون رسالة إلى غيره فهذا كله أيضاً مما تنبغي مراعاته.
ولننظر إلى بعض الصور التي تعتبر أمثلة من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعض أصحابه ؛ لنرى أنهم كانوا يرون ذلك ويأخذون إلى ما أشرنا إليه من هذه الأمور .
النبي - عليه الصلاة والسلام - في يوم الخندق لما بلغه نقض قريضة من اليهود عليهم لعائن الله للعهد ماذا قال؟ أمر السعداني سعد ابن معاذ وسعد بن عبادة أن يستجليا الخبر ، وهذا جمع للمعلومات والتأكد من صحتها حتى يبني القرار على أساس صحيح لا على مجرد شبهة أو وهم أو شائعة ثم أيضاً كان النبي عليه الصلاة والسلام يريد ألا تكون للمعلومة آثار سلبية قبل اتخاذ القرار فقال: انظرا الخبر ؛ فإن كان كما قيل فألحنا لي لحنًا لا يعرفه غيري ، أي إذا كان اليهود نقضوا العهد فلا تصرحوا بذلك ولا تعلنوه بين الناس وعلى رؤوس الأشهاد لئلا يكون على هذا أثر في النفوس ، بل قولا قولً أعرفه ولا يعرفه غيري ، قالا: عضل وقارة.