فهرس الكتاب

الصفحة 5473 من 9994

ثم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يتخذ قراراً ليخذل عن المسلمين ، ما القرار الذي أراده ؟ أراد أن يعطي غطفان ثلث ثمار المدينة ؛ حتى يرجعوا إلى ديارهم فيتفتت تماسك المحاصرين للمدينة ، فهل اتخذ القرار وحده؟ وهل مضى فيه لسبيله؟ كلا ! قد استشار أصحابه ، فجاء إلى سعد وسعد - وهما زعماء الأنصار - فاستشارهم ، فقالا: يا رسول الله أوحي من الله لا رأي لنا فيه أم هو الرأي ؟ فقال: بل هو الرأي ، فقالوا: لقد كنا نحن وغطفان في جاهليةٍ وكفرٍ لا يطمعون منا بثمرةً من ثمر المدينة إلا عن قرى -يعني إلا ضيافةً - أبعد ما عزنا الله بالإسلام نعطيهم أموالنا ! والله لا نعطيهم إلا السيف يا رسول الله"، فنزل الرسول - عليه الصلاة والسلام - عند رأيهم فاتخذ القرار بعدم الترخص لا مع غطفان ولا مع غيرها ، ولو مضينا مع هذه الصورة ؛ فإننا نرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ القرار بالتماسك وبالصمود ، وأخذ لذلك أسبابه ، ثم أرسل حذيفة لمعرفة مزيد من أحوال القوم ، ثم قبل ذلك أيضاً استعان بنعيم بن مسعود لما أسلم قال: خذّل عنا ما استطعت ، فأخذ النبي - عليه الصلاة والسلام - بكل ذلك وقبل ذلك وبعده كان عليه الصلاة والسلام دائم الالتجاء إلى الله - سبحانه وتعالى - فكان الأمر بعد ذلك بتوفيق الله ونعمته وقوته جلا وعلا: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال } ."

موقف آخر أيضاً نراه كثيراً في سير ومواقف عمر الفاروق - رضي الله عنه - وهو إذا كان عرضت له المسألة يجمع لها كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار فيستشيرهم فيها ، وكان يستشير في سائر الأحوال ومنها استشارته في تولية الرجال ، وقد ورد أنه مرةً جاء إلى بعض الصحابة وقال: أشيروا عليّ في أمر قد أهمني يريد تولية رجل ، فأشاروا عليه برجل ، قال: ليس ذلك الذي أريد ، فقالوا: من تريد ؟ فذكر لهم المواصفات ، قال: أريد مؤمناً صادقاً قوياً في دينه آخذ بالجد في عمله ، فقالوا له: الربيع بن زياد الحارثي ، قال: ذاك الذي كنت انشدُ ، فأخذ برأيهم.

وقصة عمر في مشورته للصحابة في استشارته للصحابة في شأن أرض السواد في العراق ، لما فتح الله على المسلمين شاور الصحابة ثم مضى للرأي السديد ؛ لأن جعلها وقفاً على أمة الإسلام جميعاً الأمثلة في هذا كثيرة ، ومع ذلك ينبغي أن ننتبه إلى أن صاحب المسؤولية العظمى وصاحب الولاية الكبرى وصاحب المهمات العظيمة ؛ فإنه يحتاج إلى أن يكون في آخر الأمر هو صاحب الرأي الأول والأخير بعد أن يستعين بالله وأن يستشير المستشارين ، وأن يأخذ بالأسباب كما فعل أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - عند حرب المرتدين جاء الصحابة كانوا على خلاف رأيه فأبدى لهم ما خفي عليهم من ذلك الأمر ، ثم كان حسمه وعزمه وتضييقه لفجوة الوقت ومبادرته لاتخاذ قرار كان له الأثر الأعظم في استبداد الأمن ورجوع المرتدين إلى الإسلام ، وحصول ما كان ينشده أبو بكر - رضي الله عنه - من تماسك الأمة ورجوعها إلى دينها فلم يمضي عام لم يمضي العام أقل من العام خمدت فتنة الردة وتماسكت الأمة ، ثم سير الجيوش إلى فتح فارس والروم ولو تردد أو تأخر أو كان منه غير ذلك لكان الأمر غير ما مضت به أقدار الله سبحانه وتعالى.

المحاذير في اتخاذ القرار

1-لا للمجاملات في اتخاذ القرارات

فإنه من يأتيك من يستشيرك - على سبيل المثال - وترى أنه لا يصلح لهذا لكنك تجامله فتقول: توكل على بركة الله تكون غششته ولم تنصح له وتكون قد هيأت له سبباً أو أمراً يتضرر به وتقع به عليه مشكلة دون أن يكون لذلك فائدة ، دعه يعرف الحق ، أو حتى كن صريحاً حتى مع نفسك لا تجاملها يأتيك اللوم عندما تقول لا في البداية لكنه يأتيك مضاعفً عندما تقول لا في النهاية وهذا أحياناً يحصل في جوانب كثيرة فبعض الناس يتأثر بمن حوله فيقول: ماذا سيقول الناس عني الآن؟ ينتظرون مني قرار حاسماً ! أو يريد مثلاً جاءه الرجل الكفء المناسب لابنته وصالحاً تقي ماذا يقول؟ قل: أريد أن أوافق لكن البنت أختها قد تزوجت كذا ، والوسط الاجتماعي يقول كذا وكذا ، فيترك الرأي السديد والقرار الصائب مجاملة للآخرين دونما وجود ضرر حقيقي أو مخالفة حقيقة.

2-لا للعواطف

لأن العواطف عواصف ، وهذا نراه كثيراً بين الأباء والأبناء ،كم تغلب العاطفة الأباء والأمهات فيتخذون لأبنائهم قرارات ، أو يساعدونهم على مسارات هي عين الضرر عليهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت