فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
بهرجتني فلا و الله لا أشربها أبداً. يعني كنت في الأول إذا شربتها جلدتموني، و الحد كفارة، و الآن تقول أنت لن تعاقبني، إذاً يعني كيف التطهير؟ فلا و الله لا أشربها أبداً. عبد الله بن مسعود ربّى تلاميذ، و كان من تلاميذه شخص يقال له الربيع بن خثيم -رحمه الله- هذا من كبار المحدثين العلماء الفقهاء العباد الزهاد، أهل الورع و الخشية، لمّا مرّوا تلاميذ ابن مسعود مع ابن مسعود على حداد، و الحداد عنده فرن نار لكي يُدخل فيه الحديد الخام ليزيل الشوائب، فجعل عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، فنظر الربيع إليها فتمايل ليسقط مما تذكر من عذاب الله، ثم أتوا على تنور على شاطئ الفرات، فلمّا رآه عبد الله و النار تلتهب في جوفه (الآن إذا مررنا على خباز و رأينا فرن مثلا، و يوجد نار في الفرن، ما هي الموعظة من الموضوع؟، و ما هي الفكرة التي ستأتي في نفوسنا؟) عبد الله لمّا مر على فرن الخباز و التنور (الفرن) النار فيه تلتهب قرأ هذه الآية (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ? وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ?) (الفرقان 12-13) ، فصُعق الربيع فاحتملناه فجئنا به إلى أهله (يعني مريضاً) . و هكذا لمّا مر على الحدادين و نظر إلى كيرٍ و صُعق، قال الأعمش فمررت بالحدادين لأتشبّه به فلم يكن عندي خير (يعني ما أثّر علي مثل ما أثّر عليه) . و الله تعالى يقول عن نار الدنيا (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ?) (الواقعة 73) ، المسافرين يستفيدوا من النار، و نار الدنيا هذه ماذا أيضاً؟ (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) ، ما معنى تذكرة؟ يعني تذكّر بنار الآخرة، يعني المفترض نحن إذا رأينا نار الدنيا أن نقول في أنفسنا: كيف نار الآخرة؟، و هكذا كانوا حتى بعض الأطفال في عهد السلف، طفل من أطفالهم رأى أهله يوقدون ناراً للطعام، حطب، فلمّا نظر إليها جعل يبكي، فقالوا له لماذا تبكي؟ قال: وجدتكم تبدءون بصغار الحطب قبل كباره (هذا مستوى طفل) يعني يقول يمكن أنا يوم القيامة إذا مت يمكن أنا يُبدأ بي، الصغار قبل الكبار، مثل حطب الدنيا، أليس (نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم 6) ؟. الذي عنده يقظة يا إخوان تفكيره غير تماماً الذي عنده تبلد إحساس، المتبلد الإحساس هذا بعيد تماماً عن الموضوع و لا يفكر في أمور مثل هذه. كان هشام الدستوائي إذا فقد السراج يتململ على فراشه (لا يستطيع النوم) ، يعني عند نومه لابد أن يكون هناك شيء من الإنارة في الغرفة، لماذا؟ قال: إني إذا فقدت السراج ذكرت ظلمة القبر (إذا كان لا يوجد نور أبداً في الغرفة ما أستطيع النوم) قالت زوجته: لماذا؟، قال: إذا تذكرت ظلمة القبر ما أستطيع النوم. أي أن الظلمة هذه تذكره بالقبر إذاً. و قال عمر بن ميمون: خرجت بأبي أقوده إلى منزل الحسن يريد لقاءه، لمّا خرج الحسن اعتنقا، قال ميمون: يا أبا سعيد (كُنية الحسن) إني قد أنست من قلبي غِلظة (يعني ليّن قلبي بشيء) فقرأ الحسن (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ? ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(يعني من العذاب) ? مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (النعيم هذا الذي مر بهم في الدنيا ماذا أغنى عنهم؟) ?) (الشعراء 205-207) ، فسقط ميمون بن مهران مغشياً عليه، ثم أخذت بيد أبي فخرجت، فقلت: أبتي، هذا هو الحسن؟ (يذكرون عنه الحسن و الحسن) ، قال: نعم، قلت: قد كنت أحسبه في نفسي أنه أكبر من هذا (يعني ماذا سمعنا من الحسن يعني؟) ، قال: فوكز في صدري وكزة ثم قال: يا بني لقد قرأ علينا آية لو فهمتها بقلبك لألفيت لها فيه كلوماً (جراح) (لو فهمت الآية مضبوط لصار عندك جراح في القلب) . و لذلك فإنهم كانوا في التفكّر يأخذون وقتاً طويلاً. يوسف بن أسباط يقول: قال لي سفيان بعد العشاء: ناولني المِطْهَرَة أتوضأ، فناولته فأخذها بيمينه و وضع يساره على خده، فبقي مُفكراً و نمت ثم قمت وقت الفجر فإذا المِطْهَرَة في يده كما هي، فقلت: هذا الفجر قد طلع، قال: لم أزل منذ ناولتني المِطْهَرَة أتفكر في الساعة (يعني في قيام القيامة و الأهوال التي ستكون يوم القيامة، و هكذا) . هذا يا إخواني يدل على أن الناس الذين عندهم تفكّر تصرفاتهم تختلف، أوضاعهم تختلف، أحوالهم تختلف، قلوبهم تختلف، سلوكهم يختلف، و لذلك الإنسان فعلاً يقارن حاله بالجمادات الآن لو آنس في نفسه و قلبه تبلد إحساس، أليس الحجر كان يُسلِّم بمكة على النبي عليه الصلاة و السلام، يقول: {السلام عليك يا رسول الله} ؟، أليس {أحد جبل يحبنا ونحبه} ؟، أليست النملة في جحرها و الحوت و كل الكائنات و الحيوانات و البهائم تدعو لمن يعلم الناس الخير؟، أليس الشجر و الدواب يستريحان من موت الفاجر؟، أليس الشجر و الحجر إذا صارت المعركة بين المسلمين و اليهود في زمن