أنت الآن قد تدّعي أحياناً أنك أولى ببنك من نفسه تقول لابنك:"أنا أولى من نفسك ؛ لأني كنت السبب في وجودك ؛ ولأني أرعاك ؛ ولأني أعرف أموراً أكثر منك ؛ ولأنني أسعى إلى الدفاع عنك ؛ كأنني قد فعلت لك ما يكون حقي عليك أكثر من حقك على نفسك .."، قد يتصور الناس هذا وإن كان لا أحد يقر بأن أحداً أولى بغيره من نفسه ، لكن الله عز وجل يقول: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } .
ويقول هو عليه الصلاة والسلام: ( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) متفقٌ عليه .
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( ما من مؤمنٍ إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ) .
اقرءوا إن شئتم: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } هو أولى بنا من أنفسنا ! من أين لنا الهداية ؟ ومن أين لنا معرفة الحق ؟ ومن أين لنا النور الذي نسير به في ظلمات هذه الحياة ؟ إنه مما أكرمنا الله به من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أين حياة قلوبنا ؟ أين زكاة نفوسنا ؟ أين رشد عقولنا ؟ أين استقامة أعمالنا ؟ أين صلاح أحوالنا ؟
مرجعه إلى ما أكرمنا الله به من الهداية التي بعث بها محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فهو أحق بنا من أنفسنا .
وقد ذكرنا في حديثنا عن المحبة: أنه ينبغي ويجب ويلزم أن نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من حبنا لأنفسنا التي بين جنبينا .
والوجه الثالث: منة الله - جل وعلا - ببعثته على العباد والخلائق
لأنه سبحانه وتعالى قال: { لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين } .
الله يمنّ على البشرية أن بعث هذا الرسول الكريم ليستنقذها من الضلال إلى الهدى ؛ ليخرجها من الظلمات إلى النور ؛ ليمنّ الله سبحانه وتعالى بهذه البعثة عليهم ؛ بما فيه نجاح أمرهم في دنياهم وفلاح أمرهم في أخراهم بإذنه سبحانه وتعالى .
والله جلّ وعلا يقول: هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة .
واستطراداً أقول: انظروا إلى الآيات التي جاءت في سياق القول الرباني ، تقدّم التزكية على التعليم ، والآيات التي جاءت في سياق القول البشري في قصة إبراهيم عليه السلام ، قال: { ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم } ؛ لأن التزكية في المنهج الرباني هي أولى من العلم ، وهي الثمرة التي ينبغي أن يركّز عليها أهل العلم ؛ فإن العلم إذا لم يثمر طهارة قلبٍ ، وزكاة نفسٍ ، فليس بعلم يكون للإنسان ، بل قد يكون حجةً عليه .. نسأل الله عز وجل السلامة .
وأذكر هنا حديثاً لأبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - يقول لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ، ولم يكن في الأنصار منها شئ ، وجدت الأنصار في أنفسهم ، حتى كثرت منهم القالة ، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله قومه . فدخل عليه سعد بن عبادة ، فذكر له ذلك ؟ فقال:فأين أنت من ذلك يا سعد؟، قال: يا رسول الله ! ما أنا إلا من قومي . قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين ، فتركهم فدخلوا . وجاء آخرون فردهم ، فلما اجتمعوا أتاه سعد فأخبره .
فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال: يا معشر الأنصار ، ما مقالة بلغتني عنكم ؟ وجدة وجدتموها في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالاً، فهداكم الله بي ؟ وعالة فأغناكم الله بي ؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي، قالوا: الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ألا تجيبوني ، يا معشر الأنصار؟ . قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ ولله ولرسوله المن والفضل . قال: أما والله ، لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فآسيناك . أوجدتم علي يا معشر الأنصار! في أنفسكم في لعاعة من الدنيا، تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار: أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعون أنتم برسول الله إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده ! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار . ولو سلك الناس شعباً ووادياً، وسلكت الأنصار شعباً ووادياً، لسلكت شعب الأنصار وواديها . الأنصار شعار ، والناس دثار اللهم أرحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار. قال: فبكى القوم ، حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً . ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا.
وهذا من بيان وجه منّه الله عز وجل على الخلق ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف كانت منته ظاهرةً في قوله بأصحابه رضوان الله عليهم ، ومنته من بعض أعظم على من جاء بعدهم من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام .