فهرس الكتاب

الصفحة 5719 من 9994

{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ..

وكم من الناس اليوم ممن وقعوا في شهوات .. أو وقعت بينهم وبين بعض الصالحين خصومات ..

تسلط عليهم الشيطان .. فشعروا أنهم أعداء للدين وأهله ..

مع أن العبد قد يقع في المعصية .. لكنه يبقى من حزب الرحمن ..

وانظر إلى ذلك الرجل .. الذي أغواه الشيطان فشرب خمراً .. فعوقب .. ثم شرب فعوقب .. ثم شرب ..

فأتي به إلى النبي عليه السلام .. فلما عوقب .. قال بعض الصحابة:

لعنه الله .. ما أكثر ما يؤتى به !!

وقال: ( لا تلعنوه .. فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ) ..

فهو وإن شرب خمراً لم ينقلب عدواً للدين ..

وتلك المرأة الزانية التائبة ..

أقاموا عليها الحد .. فلما ماتت سبها بعض الأصحاب ..

فقال عليه السلام: ( لقد تابت لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ) ..

ولما زنى ماعز رضي الله عنه فرجم .. قال النبي عليه السلام: ( لقد تاب توبة لو قسمت على أمة لوسعتهم .. والله إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها ) ..

وأنا بكلامي هذا لا أسوّغ الوقوع في المعاصي .. أو أعتذر لأصحابها .. ولكن .. ذكّر إن نفعت الذكرى ..

ولا ينبغي أن تحول المعصية بين صاحبها وبين خدمة هذا الدين ..

أبو محجن الثقفي رجل من المسلمين كان قد ابتلي في الجاهلية بشرب الخمر ..

وقد تعلقت بها نفسه .. وهام بها قلبه .. حتى كان يوصي ولده ويقول:

إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة *** تروي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفنني في الفلاة فإنني *** أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها

وتروى بخمر الحص لحدي فإنني أسيرٌ لها من بعد ما قد أسوقها

فلما أسلم .. بقيت نفسه تغلبه عليها .. فيعاقب عليها ويعود .. ثم يعاقب ويعود ..

فلما تداعى المسلمون للخروج لقتال الفرس في معركة القادسية .. خرج معهم أبو محجن .. وحمل زاده ومتاعه ..

فلما وصلوا القادسية .. طلب رستم مقابلة سعد بن أبي وقاص قائد المسلمين ..

وبدأت المراسلات بين الجيشين .. عندها وسوس الشيطان لأبي محجن رضي الله عنه فاختبأ في مكان بعيد وشرب خمراً ..

فلما علم به سعد رضي الله عنه غضب عليه .. وقيد يديه ورجليه .. وحبسه في خيمة ..

وبدء القتال .. وتنازل الأبطال .. وقعقعت السيوف .. وتتابعت الحُتوف ..

ورميت الرماح .. وارتفع الصياح ..

وغبرت خيل الرحمن .. وعلت أصوات الفرسان .. وفتحت أبواب الجنان ..

وطارت أرواح الشهداء .. واشتاق الأولياء ..

وأبو محجن يئن بقيد ** فلمَ القيدُ أيّهذا الأسير؟؟

أيها الفارس العنيد ترجّل** فخيولي حبيسة لا تغير!!

يا أبا محجن كفاك قعوداً ** أنت بالحرب والسلاح خبير

فاعصب الرأس عزة تتلظى ** هُتك العرضُ والجناح كسير

أَزِفت ساعة القصاص وإلا ** فاجرع الموتَ ثم بئس المصير

أخذ أبو محجن .. يتململ في قيوده .. وتتحرك أشواقه إلى الشهادة .. فيثب ليبذل الروح .. فإذا القيد في رجله:

فأخذ يتحسّر على حاله ويقول:

كفى حزناً أن تدحم الخيل بالقنى *** وأترك مشدوداً علي وثاقيا

إذا قمت عناني الحديد وغلقت *** مصاريع من دوني تصم المناديا

وقد كنت ذا مال كثيرو إخوة *** وقد تركوني مفرداً لا أخاليا

فلله عهد لا أحيف بعهده *** لإن فُرّجت ألا أزور الحوانيا

ثم أخذ ينادي ويصيح بأعلى صوته ..

فأجابته امرأة سعد: ما تريد ؟

فقال: فكي القيد من رجلي وأعطيني البلقاء فرس سعد .. فأقاتل فإن رزقني الله الشهادة فهو ما أريد .. وإن بقيت فلك عليّ عهد الله وميثاقه أن أرجع حتى تضعي القيد في قدمي ..

وأخذ يرجوها ويناشدها .. حتى فكت قيده وأعطته البلقاء .. فلبس درعه .. وغطى وجهه بالمغفر .. ثم قفز كالأسد على ظهر الفرس .. وألقى نفسه بين الكفار يدافع عن هذا الدين ويحامي ..

علق نفسه بالآخرة ولم يفلح إبليس في تثبيطه عن خدمة هذا الدين ..

حمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه .. وكان يقصف الناس قصفاً ..

وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ..

فقال بعضهم: لعله مدد من عمر ..

وقال بعضهم: لعله ملك من الملائكة ..

ومضى أبو محجن يضرب ويقاتل .. ويبذل روحه ويناضل ..

فأقدم فإما مُنْية أو مَنيَّة *** تريحك من عيش به لست راضيا

فما ثَمَّ إلا الوصلُ أو كلفٌ بهم *** وحسبك فوزاً ذاك إن كنت واعيا

مضى أبو محجن ..

أما سعد بن أبي وقاص فقد كانت به قروح في فخذيه فلم ينزل ساحة القتال .. لكنه كان يرقب القتال من بعيد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت