فهرس الكتاب

الصفحة 5902 من 9994

وفيما جاء من خطبة علي رضي الله عنه فيما رواه بريدة قال: قال نفر من الأنصار لعلي: عندك فاطمة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال: ما حاجة ابن أبي طالب؟ فقال: يا رسول الله! ذكرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مرحباً وأهلاً، لم يزد عليهما، فخرج علي بن أبي طالب على أولئك الرهط من الأنصار ينتظرونه، قالوا: ما وراءك؟ قال: ما أدري غير أنه قال لي: مرحباً وأهلاً، فقالوا: يكفيك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إحداهما، أعطاك الأهل والمرحب، فلما كان بعد ذلك، بعدما زوجه قال: يا علي إنه لا بد للعروس من وليمة.

هذه خطبتها - رضي الله عنها وأرضاها - وعندما تزوجها علي - كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب - كان عمرها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ، وكان عُمر علي واحد وعشرون عاماً على الصحيح في هذه الروايات ، وكان هذا الزواج في رجب ، بعد ما كان من شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومقدمه المدينة بنحو خمسة أشهر ، ثم بنى بها - يعني دخل بها - بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر ، وأخطأ من قال أن البناء كان يوم أُحد ، وأن القصة فيها أن حمزة رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم ذبح شارتين في وليمة عرس علي رضي الله عنهم أجمعين.

هذه خطبة فاطمة رضي الله عنها فكيف جُهزّت؟ وما كان مهرها؟ وكف كانت وليمتها؟ وكيف كان بيتها وجهازها؟ ثم كيف كانت عيشتها ومسيرتها في حياتها؟

أما المهر فالروايات متكاثرة ؛ لأنه عندما خطب علي - رضي الله عنه - وتقدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله ما لي من شيء ، فقال: وكيف؟ قال: فذكرت صلته وعائدته علي ـ يعني فضل النبي عليه السلام عيه ـ فتجرأت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما تصدقها؟ قال: يا رسول الله ما عندي ما أصدقها ، كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب قال:"ولم يكن يومئذ صفراء ولا بيضاء"، لا ذهب ولا فضة عند علي ولا عند غيره إذ ذاك في أول الهجرة ، ما زال المسلمون في شدة كبيرة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أين درعك الحطمية؟ هي درع أعطاها له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نسبة إلى بطن حطم بن محارب كانوا مشتهرين بصناعة الدروع وقيل: الحطمية التي تحطم السيوف ، وقيل: الثقيلة الحصينة، قال: هي عندي يا رسول الله قال: أصدقها إياها ، فباعها بأربعة وثمانين درهماً فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاها بلال ، وقال: ( اجعلوا ثلثيها في الطيب ، وثلث في المتاع ) ، وهذا من فقه النبي - صلى الله عليه وسلم ومعرفته - بطبائع النساء .. اجعلوا ثلثيها في الطيب وثلث في المتاع واللباس وغير ذلك ، فهذا كان مهر سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها وأرضاها.

فما بال من يغالون في مهور بناتهم أيظنون ذلك منقبةً وشرفاً؟ أيظنونه تعظيماً لبناتهم؟ لوكان ذلك كذلك لكان الأحق به بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكنت أخبر بعض الأخوة أنه عقد في هذا الأسبوع ، وكنت أكتب هذا العقد لأصحابه فرأيت عقداً قبله والمهر مسطور فيه بمائة ألف فقلت: سبحان الله وما ينفع ذلك أو يفيد ، ونرى أننا بهذا نسد كثيراً من أبواب الحلال ، ونفتح أبواباً ونيسر طرقا للحرام ، وقد نكون بذلك آثمين ، وقد يكون الآباء في هذا من يعضلون بناتهم ، وممن يكون عليهم وزر في هذا إذا فاتها قطارها وتأخر عنها حظّها من بعد .. هذه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم هذا مهرها.

أما جهازها ، فقالت أم أيمن:"ولّيت جهازها ، فكان فيما جهزتها به مرفقة من أدم ـ من جلد ـ حشوها ليف وبطحاء مفروش في بيتها". هذا هو الفراش الوثير الذي كان في بيت فاطمة رضي الله عنها.

فقد وردت روايات كثيرة في هذا المنى ، حتى إنهم جاءوا بهذا التراب والحصى ليفرش في هذا البيت كأنما هو توطئة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بعث مع فاطمة بخملة ووسادة أدم حشوها ليف ورحاءين وسقاء وجرتين .

كم هي هذه الثروة عظيمة ؟ وكم هي موجودة في هذا البيت؟ كأنما هو قصر عامر وهو كذلك عامر بالإيمان والتقوى ، وما كان حشو فراشهما وسائدهما إلا الليف ، بل قد ورد أن من صداقها أنه كان لهم جلد لخروف ، إذا ناموا جعلوه على جهة الصوف وإذا احتاجوه لفوه من جهة الجلد ، وهذا يدلنا على البساطة ، و رواية أم أيمن مروية من الطبراني وإسناده رجال الصحيح.

لننظر إلى هذه المعاني من كانت هذه مقدمتها في خطبتها وفي مهرها وفي جهازها فأي شيء تكون عيشتها؟ وعلى أي صورة تكون حياتها؟ هل فيها مثل ما عندنا؟ أو ما عند نسائنا؟ لابد أن يكون المسكن فيه كذا من الغرف ولابد أن يكون فيه غرفة للنوم ، وأخرى للطعام ، وثالثة للجلوس ورابعة لكذا وكذا ، وخامسة لكذا .. ولابد.. ولابد.. كأنما يريد أن يسكن في جنة قبل جنة الآخرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت