فهرس الكتاب

الصفحة 5903 من 9994

ولا نقول هذا - ونحن نعرف أوضاع الحياة الاجتماعية - تحريماً له ، لكن إذا وجد ما يقتضي التنازل عنه مما هو خير ومما هو في جمع بين زوجين صالحين فالعاقل من يسمع لذلك ويتأسى بخير خلق الله عليه الصلاة والسلام ، ولتكن ابنته في شرفها وفخرها أنها كان لها أثر من فاطمة أو غير فاطمة من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أين كان سكنها؟ وكيف عاشت؟ في رواية ابن سعد في الطبقات عن أبي جعفر لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل منزلاً فطلب علي منزله حتى يسكن فاطمة فيه ، وبنى بها في بيت أمه فاطمة بنت أسد وكان ذلك بعيدا عن بيت رسول الله وكانت تتمنى أن تكون من السكن بقرب أبيها وسرعان ما تحقق أملها فقد جاءها النبى قائلا:"إنى أريد أن أحولك إلىّ"، فقالت لرسول الله: فكلم حارثة بن النعمان أن يتحول وأكون إلى جوارك .

فبلغ ذلك حارثة فتحول وجاء إلى النبى فقال: يا رسول الله إنه بلغنى أنك تحول فاطمة إليك وهذه منازلى وهى أقرب بيوت بنى النجار بك وإنما أنا ومالى لله ولرسوله والله يا رسول الله المال الذى تأخذ منى أحب إلىّ من الذى تدع .

فقال له الرسول:"صدقت بارك الله عليك"فحولها رسول الله إلى بيت حارثة .

وهكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتحولت إلى جوار أبيها عليه الصلاة والسلام.

وماذا من بعد أيها الأخوة الأحبة؟ فاطمة وعلي ومن هما فاطمة وعلي؟ خذوا هذه اللوحة المعبرة المؤثرة في هذه الحياة الزوجية.

أقبل علي ذات يوم على فاطمة ودخل وهو منهك متعب مجهد من طبيعة الحياة وشدتها وكسب العيش وكده فقال: والله لقد سنوت حتى قد اشتكيت صدري ، السانية هي البعير الذي يستقى به الماء كان علي يسقي الماء عن طريق الناقة أو أحيانا بنفسه قال: قد سنوت حتى قد اشتكيت صدري وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه، (اطلبي خادماً ) فقالت: أنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي - والمجل هو ثخن الجلد ووجود البثور فيه من كثرة ما كانت تطحن الشعير رضي الله عنها وأرضاها - فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما جاء بك وما حاجتك أي بنية ؟ قالت: جئت لأسلم عليك ، واستحيت أن تسأله فرجعت . فقال علي: ما فعلت ؟ قالت: استحييت أن أسأله . فأتياه جميعاً فقال علي: يا رسول الله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله - عز وجل - بسبي وسعة فأخدمنا، فماذا قال القدوة العظمى صلى الله عليه وسلم ؟ (والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانها) ، هناك أولويات هؤلاء يريدون خادما وفي المسلمين من أهل الصفة من لا يجد طعاما ، لكن هل قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم لا تغمره الرحمة والشفقة على ابنته وفلذة كبده؟ بلى كان ذلك في نهار ذلك اليوم ، وإذا بالرسول في مسائه وليله يأتي إليهما ويطرق عليهما بابهما وقد دخلا في كسائهما ، وعليهما فرش إن غطيا الرأس بدت الأقدام ، وإن غطيا الأقدام بدا الرأس ، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأرادا أن يقوما قال: مكانكما ، ألا أخبركما بخير مما سألتماني ؟ قالا: بلى: فقال: ( كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان الله دبر كل صلاة عشرا، وتحمدان عشرا ، وتكبران عشرا ،وإذا أويتما إلى فراشكما تسبحان ثلاثة وثلاثين ،وتحمدان ثلاثة وثلاثين ،وتكبران أربعا وثلاثين فذلك خير لكما من خادم ) قال علي: فما تركتها مذ سمعتها، فقال ابن الكواء قال: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين.

انظروا إلى هذه الصورة علي يشقى وفاطمة تتعب والسبي موجود ، والأمر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكنه يريد لأحب أحبابه وأقرب المقربين إليه ما هو الأفضل والأكمل يريد لهما خادماً في الدنيا وإنما خادماً في الجنة ، يريد عمران الدار الآخرة قبل عمران هذه الدار ، ولذلك صرفهما إلى عبادة ، لكنه كان يدل على أن في قلبه من الشفقة والرحمة ما جعله لا ينسى طلبهما ولا ينسى أن ما قاله لهما ربما أدخل إلى نفوسهما شيءٌ من هم أو غم فمسح ذلك بقدومه عليهما وإيناسه لهما ، وتقديمه الخير لهما عليه الصلاة والسلام.

صورة أخرى ؛ لنرى ما يدور في بيوتنا من المشكلات بين الزوجات وأمهات الأزواج حتى أصبح هذا الباب من الأبواب ، باب تسطر فيه الأقلام وتمثل فيه التمثيليات والمشاهد كما نسمع بل وتضرب فيه الأمثال هذه رواية ابن عبد البر يذكرها في الاستيعاب عن ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمر بن مرة عن أبو البختري قال: قال علي لأمه: اكفي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخدمة خارجاً وسقاية الماء والحاج ، وتكفيك العمل في البيت والعجن والخبز والطحن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت