في صورة من بر الأم ورحمة الزوجة وألفت الأسرة الواحدة بعيداً عن الخصومات والنزاعات والمكائد التي تحفل بها كثير من البيوت من خلال ما يتسرب إلينا من الأفكار الدخيلة ، والمضامين التي تبث عبر كثير من الوسائل والطرق مكتوبة ومرئية ومسموعة إلى غير ذلك.
هذه ومضات من الحياة الزوجية لتلك الزوجة الأثيرة رضي الله عنها وأرضاها وأحسب أن فيما نذكره من العبرة ما يغني عن كثير التعليق والتفريغ من كلامنا وقولنا ، فحسبنا بهذه العظيمة الشريفة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كان مهرها درعاً ، وأن كان فراشها أدما حشوه ريش ، وأن كان تجهيز بيتها سقاءين ولحاءين وإن كانت معيشتها أن تخدم بنفسها وأن تقوم بحق زوجها رضي الله عنها وأرضاها.
رابعا: الشبيهة الحبيبة
شبيهة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. روت عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأيت أحدا كان أشبه سمتا وهديا برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة ، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه وكانت إذا دخل عليها قامت إليه وأخذت بيده وقبلته وأجلسته في مجلسها) رواه أبو داوود في السنن.
وفي رواية عند البخاري في الصحيح تخبر فيه عائشة بما كان من آخر أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: (إنا كنا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عنده جميعاً لم تغادر منا واحدة فأقبلت فاطمة تمشي ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآها رحب بها وقال: مرحبا بابنتي) .
وفي حديث مسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني) رواه البخاري في الصحيح.
والبضعة القطعة من اللحم وفي رواية هذا الحديث في الصحيح أيضا: (مضغة مني) ، أي قطعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان - عليه الصلاة والسلام- ينص على ذلك ويذكره ، وكانت عائشة - رضي الله عنها - حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبصر الشبه ، وتدرك المقام ، وتعرف الصلة ، وتدرك خفقات قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابنته الحبيبة الأثيرة رضي الله عنها.
وهذا ابن عباس - رضي الله عنه - يروي أن المصطفى - عليه الصلاة والسلام - دخل على علي وفاطمة رضي الله عنهما وهما يضحكان ، فلما رأيا النبي عليه الصلاة والسلام سكتا ، فقال لهما عليه الصلاة والسلام: (ما لكما كنتما تضحكان فلما رأيتماني سكتتما؟ فبادرت فاطمة فقالت: بأبي أنت يا رسول الله قال: هذا _تعني عليا _ أنا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك ، فقلت: بل أنا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فتبسم رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال: يا بنية لك رقة الولد وعلي أعز علي منك) ،وهذا من بديع قوله وفصيحه ، ومن حسن مأخذه عليه الصلاة والسلام: (لك رقة الولد وعلي أعز علي منك) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
وفي رواية مسور الأخرى: (فاطمة شبنة مني ، يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها وإنه تنقطع يوم القيامة الأنساب إلا نسبي وحسبي ) ، أوكما قال عليه الصلاة والسلام والحديث أيضا رجاله ثقات كما ذكره الهيثمي في المجمع.
وفي حديث عمران بن حصين كذلك ما يدل على ذلك ، قال عمران: إني لجالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت فاطمة فقامت بحذاء النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في إزائه مقابلة له ، فقال: (ادني يا فاطمة فدنت دنوة ثم قال: ادني يا فاطمة فدنت دنوة فقال: ادني يا فاطمة فدنت دنوة حتى قامت بين يديه قال عمران: فرأيت صفرة قد ظهرت على وجهها وذهب الدم من شدة الجوع وشظف العيش ، قال: فبسط النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أصابعه ثم وضع كفه بين ترائبها، أي عظام صدرها فرفع رأسه وقال: اللهم مشبع الجوعة وقاضي الحاجة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمد، قال عمران: فرأيت صفرة الجوع قد ذهبت عن وجهها وظهر الدم ثم سألتها بعد ذلك فقالت: ما جعت بعد ذلك يا عمران ) رواه الطبراني في الأوسط وفيه عتبة بن حميد وثّقه ابن حبان وضعفه غيره وبقية رجاله ثقات.
وهذا يدلنا على مكانتها ومحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لها ، وحسبنا بذلك منقبة وفضيلة وشرفاً وعزاً وكرماً لا يدانيها فيها غيرها كما سيأتي في تعليل ذلك.
وفي حديث أبي ثعلبة الخشني ، وقد رواه ابن عبد البر في الاستيعاب قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم يأتي فاطمة ثم يأتي أزواجه"، لمَ ؟ لأنها وحيدة بناته التي بقيت رضي الله عنها وأرضاها.