وهذا ابن سعد في الطبقات يروي عن ابن أبي ثابت قال:"كان بين علي وفاطمة كلام فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم _ يعني شيء من الخلاف _ فألقوا له شيئا فاضطجع عليه فجاءت فاطمة فاضطجعت من جنب وعلي فاضطجع من جنب فأخذ رسول الله بيده ويدها فوضعها على سرته ثم أصلح بينهما وخرج - عليه الصلاة والسلام - فقيل: دخلت وأنت على حال وخرجت ونحن نرى البشر في وجهك ، قال: وما يمنعني وقد أصلحت بين أحب اثنين إلي ."
هكذا كانت فاطمة - رضي الله عنها - شبيهة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحبيبة إلى قلبه ، وكانت مضرب مثله ، ومضرب المثل لا يكون إلا في العزيز القريب الأثير ، ألم يقل عليه الصلاة والسلام: ( يا فاطمة بنت محمد اعملي لا أغني عنك من الله شيئا) ؟ لِمَ خصها بالذكر؟ لقربها وحبها .. ألم يقل عليه الصلاة والسلام يوم قصة المخزومية: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ؟ إنه يدل على تعظيمه ومحبته لها عليه الصلاة والسلام.
وذكر ابن حجر في الإصابة عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال:"كانت فاطمة أصغر بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحبهن إليه"، وسئلت عائشة رضي الله عنها ، كما روى الترمذي في سننه بسند حسنه ، قيل لعائشة: أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: فاطمة قيل: فمن الرجال؟ قالت زوجها إن كان كما علمت صواما قواما ، وتكلم الذهبي في السير على صحة هذا الحديث وإن كان قد حسنه الترمذي ورواه الحاكم وصححه.
وفي حديث بريدة عن النبي عليه السلام:"كان أحب النساء إلى رسول الله فاطمة ، ومن الرجال علي"، قال إبراهيم النخعي: يعني من أهل بيته ورواه الترمذي كذلك.
ولعلنا نتساءل هنا لماذا كانت لفاطمة هذه الخصوصية التي حظيت بها رضي الله عنها وأرضاها؟ وهناك إجابة طويلة لكن لابد من ذكرها مع الإيجاز:
أولا: لأن لها كنية فريدة وليس المقصود الكنية وإنما معنى كنيتها التي ذكرها الذهبي وابن حجر وغيرهم من العلماء كانت تكنى بـ"أم أبيها"، ولا أعرف أحدا من النساء لها كنية أنها أم أبيها هي ابنته ولكنها تكنى بأنها أم أبيها لِمَ كان ذلك كذلك؟ لأسباب كثيرة .. فاطمة رضي الله عنها أصغر بناته وكانت بعض بناته قد تزوجن وبنتاه الأوليان كانتا متزوجتين من ابني أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام في الجاهلية قبل الإسلام ، وتلك مزوجة من العاص لم يبق مع النبي إلا فاطمة كانت تشهد ما يلقى النبي - عليه الصلاة والسلام - من الأذى والصد والإعراض من قريش ، وكانت معه عليه الصلاة والسلام في هذه المواقف - كما سيأتي معنا - وكانت كذلك عندما مضى النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة لم يكن عنده زوجة ، فمن كان يخدمه من كان في بيته ؟ من كان يقوم بشأنه من ؟ كان يعد طعامه ؟ من كان يهيأ له أحواله ؟ ابنته أم أبيها - رضي الله عنها وأرضاها - ولذلك كانت قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفت بهذه الكنية الفريدة.
الأمر الثاني: الذرية الحبيبة ؛ فإنه قد قضت حكمة الله - عز وجل - أن ينقطع نسل بنات النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن لا يبقى أبناؤه ، فلم يبق نسل متصل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من فاطمة رضي الله عنها وأرضاها .
ونعلم كيف كان النبي يحب الحسن والحسين ، وكيف كان يحني ظهره فيرتحله الحسن والحسين فيقول: (نعم الراكبان أنتما ونعم الجمل جملكما) ، وكيف كان النبي - عليه الصلاة والسلام - عندما جاء الحسن والنبي يخطب في المسجد فعثر في مرطه ، فنزل النبي - عليه الصلاة والسلام - فأخذه نزل من منبره وأخذه وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسمي الحسن والحسين إلا بابني وكانا يدعوانه يا أبت ، ففاطمة - رضي الله عنها - أبقت لنبي الله - عليه الصلاة والسلام - بفضل الله - جل وعلا - أن يقال له: أب وأن يقول هو لهؤلاء أنهم أبناؤه فكانت له قريبة.
والثالث: الصحبة الطويلة ؛ فإن أخواتها من بنات رسول الله - عليه الصلاة والسلام - تتابعت وفاتهن وتقدمت ، وبقيت هي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - دهراً طويلاً ..
نعرف أن رقية شُغل بها عثمان في يوم بدر ، وأن أم كلثوم توفيت بعد ذلك في العام التاسع من الهجرة ، ولم يبق إلا فاطمة - رضي الله عنها - فصحبت رسول الله - عليه الصلاة والسلام - حتى توفي عنها ولفظ أنفاسه الأخيرة إلى الرفيق الأعلى وهي في هذه الحياة رضي الله عنها وأرضاها.
فهذه صفحة من صفحات حياتها في شبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه إياها .
ثم ننتقل إلى صفحة أخرى وهي:
خامسا: الصابرة العظيمة
وعندنا في ذلك كثير وكثير من المناقب لفاطمة رضي الله عنها ؛ لنرى قدوة للنساء .. نساؤنا اليوم من أدنى عارض تجزع وتصيح وتتراجع ولا تكاد تحتمل شيئاً ، أما فاطمة فهذه محطات من الابتلاء مرت فيها بنجاح منقطع النظير .
أولها: أذى الأب الرسول عليه الصلاة والسلام