وكلنا نعرف القصة الشهيرة المروية في السيرة، لما ائتمر أبو جهل ومن معه من سفهاء قريش برسول الله -صلى الله عليه وسلم - قالوا: إذا سجد فضعوا سلا الجزور على رأسه وهو ساجد، وقام أشقى القوم عقبة بن أبي معيط ففعل ذلك إلى فاطمة الخبر وهي التي كانت في بيته عليه الصلاة والسلام فتحركت - وكانت صغيرة في السن - فذهبت فألقت ذلك عن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - ونظفته وطيبته ، فما رفع رأسه من السجود إلا بعد أن فعلت ذلك .. كانت ترى صناديد قريش وهم يتعرضون له عليه الصلاة والسلام بالأذى القولي والفعلي وتحتمل ذلك ، وترى في صبر النبي عليه الصلاة والسلام قدوتها وأسوتها رضي الله عنها وأرضاها ، ثم ماذا ؟ مرّت مع النبي صلى الله عليه وسلم بحصار الشعب الظلوم ، عاشت ثلاث سنوات من أشد وأقسى السنوات التي مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والمسلمين معه ، حتى أكلوا ورق الشجر ، وحتى قرحت أشداقهم وحتى روى سعد رضي الله عنه: أنه ذهب يتبول قال: فإذا أنا أسمع قعقعة فأخذتها فإذا هي شن - يعني قطعة من جلد - قال:"فأخذتها فدققتها فسفتها فكانت قوتي أياما".. هكذا كانوا وكانت فاطمة البنت الرقيقة الصغيرة الفتية في عمرها .. صبرت واحتملت ومرت بهذه الظروف العصيبة وشظف العيش وشدته ، تتأسى بأبيها عليه الصلاة والسلام ثم ماذا من بعد؟
الثاني: فقد الأم العظيمة
عام سماه أهل السير:"عام الحزن"كان من أشد ما مرّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن فقد زوجته خديجة أم المؤمنين - رضي الله عنها - الحبيبة إلى قلبه ، المواسية له ، المؤزرة والمساندة له - عليه الصلاة والسلام - وكان ذلك عظيما على أصغر البنات التي لم تكن تزوجت بعد وهي فاطمة رضي الله عنها صبرت واحتسبت ومضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثالث: في معاناة الهجرة الحزينة
يوم هاجر رسول الله - عليه الصلاة والسلام -لم يصحب معه أبناءه ثم من بعد أرسل أبا رافع - مولاه - فأخذ زينب وفاطمة - رضي الله عنهما - ولحق بهم الحويرث الأشقى فنخز بعيرهما وآذاهما فسقطتا من عليه ، وقد وهت أجسادهما وكانتا ضعيفتين ، وهذا هو الذي أعلن النبي عليه الصلاة والسلام عن نفر يوم فتح مكة أن يقتلوا ولو كانوا معلقين بأستار الكعبة ، ومنهم الحويرث لما فعل ببنات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومضت هذه الفتاة في ريعان شبابها - ما زالت في الخامسة عشرة من عمرها - تحتمل ل هذه الصعاب بإيمان عظيم ، وصبر جليل ، واحتساب للأجر عند الله سبحانه وتعالى ، ومواصلة على الطريق دون جزع ولا تراجع ولا تضعضع ولا ضعف بحال من الأحوال ثم ماذا بعد ذلك؟
خامسا: موت الإخوة والأخوات
إخوانها جميعاً ماتوا .. إبراهيم والقاسم وعبد الله أبناء النبي عليه الصلاة والسلام ، ومن بعد ذلك أخواتها واحدة إثر الأخرى وهي تشيع وتدفن - رضي الله عنها وأرضاها - والحزن يملأ قلبها فينصب على يقينها وإيمانها فإذا بها ترضى بقضاء الله وقدره لكن ذلك أمره عظيم.
ثم ما ورد في بعض الروايات أنها شهدت أُحداً ، وكان لها فيها شيء من المشاركة ، ورأت ما رأت مما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم شج رأسه ودمي وجهه ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه وقال عليه الصلاة والسلام: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) .
ثم كان المصاب الأعظم الذي لم تتماسك بعده حتى أدركتها منيتها وحانت وفاتها .. ذلك الحدث فقد الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم يوم قالت فاطمة رضي الله عنها عندما زارت النبي صلى الله عليه وسلم: واكرب أباه ! فقال عليه الصلاة والسلام: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة ، ثم لما قضى النبي صلى الله عليه وسلم قالت:"واأبتاه إلى جبريل نعاه ، جنة الخلد مأواه"، ثم لما دفن - عليه الصلاة والسلام - قالت لأنس كما في الصحيح:"يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التراب ؟"، وفي بعض الروايات: أنها ما رؤيت مبتسمة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.
وسنرى الآن في بعض فضائلها ما جاء في هذه القصص العظيمة فكانت صابرة - رضي الله عنها - صبراً عظيماً ، يدلنا على ما ينبغي أن تتحلى به النساء المؤمنات من الصبر والاحتمال فيما يعرضن له في طاعة الله - سبحانه وتعالى - والثبات على هذا الدين لا أن يكون ذلك برقّة وضعف وخور كما نرى نسأل الله - عز وجل - السلامة .