فهرس الكتاب

الصفحة 6158 من 9994

اختلفوا في ذلك على قولين:

القول الأول: لا يجوز له الفطر في سفر المعصية، وبه قالت المالكية والشافعية والحنابلة ( [8] ) .

واستدلوا بقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:145] .

قالوا: وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى أن الباغي هو الباغي على الإمام الذي يجوز قتاله، والعادي هو العادي على المسلمين وهم المحاربون قطاع الطريق، فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم فسائر الرخص أولى، وقالوا: إذا اضطر العاصي بسفره أمرناه أن يتوب ويأكل ولا نبيح له إتلاف نفسه.

قال ابن تيمية رحمه الله:"وهذه حجج ضعيفة؛ أما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب دون الأول؛ لأن الله أنزل هذا في السور المكية: الأنعام والنحل، وفي المدينة: ليبين ما يحل وما يحرم من الأكل، والضرورة لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرم مختصا بقطع الطريق والخروج على إمام، ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إمام يخرج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرا، والبغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولا مسافرين، بل كانوا من أهل العوالي مقيمين واقتتلوا بالنعال والجريد، فكيف يجوز أن تفسر الآية بما لا يختص بالسفر، وليس فيها كل سفر محرم؟ فالمذكور في الآية لو كان كما قيل لم يكن مطابقا للسفر المحرم، فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرم بدونه" ( [9] ) .

القول الثاني: أنه يجوز له الفطر في أي سفر كان، وهو قول الحنفية، واختاره ابن حزم وابن تيمية ( [10] ) .

واستدلوا: بعموم قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185] .

قالوا: فعم تعالى الأسفار كلها، ولم يخص سفرا من سفر، وما كان ربك نسيا.

قال ابن تيمية رحمه الله:"والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعا في جنس السفر، ولم يخص سفرا من سفر وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184] ، كما قال في آية التيمم: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء:43] الآية، وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر يصلي ركعتين، ولم ينقل قط أحد عن النبي أنه خص سفرا من سفر مع علمه بأن السفر يكون حراما ومباحا، ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر لكان بيان هذا من الواجبات، ولو بيَّن ذلك لنقلته الأمة، وما علمت عن الصحابة في ذلك شيئا، وقد علق الله ورسوله أحكاما بالسفر كقوله تعالى في التيمم: {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ، وقوله في الصوم: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ، وقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء:101] ، وقول النبي: (( يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن ) )، وقوله: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم ) )، وقوله: (( إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ) )، ولم يذكر قط في شيء من نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر بنوع دون نوع، فكيف يجوز أن يكون الحكم معلقا بأحد نوعي السفر ولا يبين الله ورسوله ذلك؟!" ( [11] ) .

فرع: إذا سافر من أجل الفطر، هل يجوز له الأخذ برخصة الفطر أم لا؟

قال ابن القيم رحمه الله:"وإن كانت الحيلة فعلا تفضي إلى غرض له، مثل: أن يسافر في الصيف ليتأخَّر عنه الصوم إلى الشتاء لم يحصل غرضه، بل يجب عليه الصوم في هذا السفر" ( [12] ) .

المسألة الثانية: حكم من صام في رمضان وهو متلبس بالسفر؟

اختلف أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: لا يجوز له الصوم بنية رمضان، ولو صام وجب عليه القضاء في الحضر. حكي ذلك عن عمر وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر، والزهري وأبي سلمة وإبراهيم النخعي، وغيرهم ( [13] ) ، وبه قال ابن حزم ( [14] ) .

قال ابن عبد البر رحمه الله:"وهو قول شاذ، هجره الفقهاء كلهم" ( [15] ) .

واستدلوا بما يلي:

1-قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} [البقرة:184] .

قالوا: ظاهره فعليه عدة، أو فالواجب عدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت