فهرس الكتاب

الصفحة 6159 من 9994

ورُدَّ عليهم بأنه استدلالٌ باطلٌ قطعا، فإن الذي أنزلت عليه هذه الآية ـ وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها ـ قد صام بعد نزولها بأعوام في السفر, ومحال أن يكون المراد منها ما ذكرتم, ولا يعتقده مسلم, فعُلم أن المراد بها غير ما ذكرتم، فإما أن يكون المعنى: فأفطرَ فعدةٌ من أيام أخر, كما قال الأكثرون, أو يكون المعنى: فعدة من أيام أخر تجزي عنه, وتقبل منه, ونحو ذلك. فما الذي أوجب تعيينَ التقدير بأن عليه عدة من أيام أخر, أو ففرضُه, ونحو ذلك؟ وبالجملة: ففِعلُ من أُنزلت عليه تفسيرُها, وتبيينُ المراد منها, وبالله التوفيق. وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم, يحتجون بعموم نص على حكم, ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده, ومن تدبَّر هذا علم به مراد النصوص, وفهم معانيها ( [16] ) .

2-عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: (( أولئك العصاة، أولئك العصاة ) ) ( [17] ) .

قال ابن القيم رحمه الله:"وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أولئك العصاة ) )فذاك في واقعة معينة, أراد منهم الفطر فخالفه بعضهم، فقال هذا" ( [18] ) .

وقال ابن حجر رحمه الله:"ولا حجة في شيء من ذلك؛ لأن مسلما أخرج من حديث أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم صام بعد هذه القصة في السفر، ولفظه: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا ) )، فكانت رخصة، فمنَّا من صام، ومنا من أفطر، فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنكم مصبحو عدوكم فالفطر أقوى لكم فأفطروا ) )، فكانت عزيمة فافطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر. وهذا الحديث نص في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته صلى الله عليه وسلم الصائمين إلى العصيان لأنه عزم عليهم فخالفوا، وهو شاهد لما قلناه من أن الفطر أفضل لمن شق عليه الصوم، ويتأكد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتقوي به على لقاء العدو" ( [19] ) .

3-عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: (( ما هذا؟ ) )فقالوا: صائم، فقال: (( ليس من البر الصوم في السفر ) ) ( [20] ) .

قالوا: ومقابلة البر الإثم، وإذا كان آثما بصومه لم يجزئه.

ورد عليهم بأنه ليس في هذا الحديث ما ينافي إذنه لهم في الصيام في السفر، فإنه نفى أن يكون من البر ولم ينف أن يكون جائزا مباحا، والفرض يسقط بفعل النوع الجائز المباح إذا أتى المأمور به، والمراد به كونه في السفر ليس من البر كما لو صام وعطش نفسه بأكل المالح، أو صام وأضحى للشمس، فإنه يقال: ليس من البر الصيام في الشمس. ولهذا قال سفيان بن عيينة: معناه: ليس من صام بأبر ممن لم يصم. ففي هذا دليل على أن الفطر أفضل، فإنه آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صام أولا في السفر ثم أفطر فيه، ومن كان يظن أن الصوم في السفر نقص في الدين فهذا مبتدع ضال" ( [21] ) ."

ورد عليهم أيضاً بأن هذا خرج على شخص معين, رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظلل عليه, وجهده الصوم, فقال هذا القول, أي: ليس البر أن يجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ بها هذا المبلغ, وقد فسح الله له في الفطر. فالأخذ إنما يكون بعموم اللفظ الذي يدل سياق الكلام على إرادته، فليس من البر هذا النوع من الصيام المشار إليه في السفر. وأيضا فقوله: (( ليس من البر ) )أي: ليس هو أبر البر؛ لأنه قد يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد يتقوَّى عليه، وقد يكون الفطر في السفر المباح برًّا, لأن الله تعالى أباحه ورخص فيه, وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برخصه, وما يحبه الله فهو بر, فلم ينحصر البر في الصيام في السفر، وتكون"من"على هذا زائدةٌ, ويكون كقوله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ...} [البقرة:177] الآية، وكقولك: ما جاءني من أحد, وفي هذا نظرٌ. وأحسن منه أن يقال: إنها ليست بزائدة, بل هي على حالها، والمعنى: إن الصوم في السفر ليس من البر الذي تظنونه وتتنافسون عليه، فإنهم ظنوا أن الصوم هو الذي يحبه الله ولا يحب سواه, وأنه وحده البر الذي لا أبر منه, فأخبرهم أن الصوم في السفر ليس من هذا النوع الذي تظنونه, فإنه قد يكون الفطر أحب إلى الله منه, فيكون هو البر ( [22] ) .

4-عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر ) ) ( [23] ) .

قال ابن حجر رحمه الله:"وعلى تقدير صحته فهو محمول على ما تقدم أولاً حيث يكون الفطر أولى من الصوم. والله أعلم" ( [24] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت