فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
5-واحتجوا: بأن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن القيم رحمه الله:"وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد به واقعةٌ معينةٌ, وهي غزاة الفتح, فإنه صام حتى بلغ الكديد, ثم أفطر, فكان فطره آخر أمريه, لا أنه حرَّم الصوم, ونظير هذا قول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار، إنما هو في واقعة معينة دعي لطعام فأكل منه, ثم توضأ وقام إلى الصلاة, ثم أكل منه وصلى ولم يتوضأ، فكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار. وجابر هو الذي روى هذا وهذا, فاختصره بعض الرواة, واقتصر منه على آخره، ولم يذكر جابر لفظا عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا آخر الأمرين مني, وكذلك قصة الصيام, وإنما حكوا ما شاهده أنه فعل هذا وهذا, وآخرهما منه الفطر وترك الوضوء, وإعطاء الأدلة حقها يزيل الاشتباه والاختلاف عنها" ( [25] ) .
القول الثاني: صحة الصيام، ولا قضاء عليه، وهو مذهب جمهور الصحابة، والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ( [26] ) .
واستدلوا بما يلي:
1-عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه ) ) ( [27] ) .
2-عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة ( [28] ) .
3-عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن ( [29] ) .
القول الثالث: من سافر بعد دخول رمضان فعليه صومه كله. حكي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس، وأبي مخلد وعبيدة السلماني وأبي مجلز وسويد بن غفلة ( [30] ) .
ومما استدلوا به:
1-قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه} [البقرة:185] . قالوا: وهذا قد شهده، ولأنه لما استهل في الحضر لزمه صوم الإقامة، وهو صوم الشهر حتما، فهو بالسفر يريد إسقاطه عن نفسه فلا يملك ذلك.
قال ابن تيمية رحمه الله:"وإذا صام على هذا الوجه معتقدا وجوب الصوم عليه وتحريم الفطر فقد أمر طائفة من السلف والخلف بالإعادة" ( [31] ) .
والراجح في هذه المسألة قول الجمهور، القاضي بجواز الصوم وجواز الفطر في رمضان لمن كان مسافراً، وأن من صام فصيامه صحيح.
قال الطبري رحمه الله:"وهذا القول عندنا أولى بالصواب؛ لإجماع الجميع على أن مريضا لو صام شهر رمضان ـ وهو ممن له الإفطار لمرضه ـ أن صومه ذلك مجزئ عنه، ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر، فكان معلوما بذلك أن حكم المسافر حكمه في أن لا قضاء عليه إن صامه في سفره؛ لأن الذي جعل للمسافر من الإفطار وأمر به من قضاء عدة من أيام أخر مثل الذي جعل من ذلك للمريض وأمر به من القضاء. ثم في دلالة الآية كفاية مغنية عن استشهاد شاهد على صحة ذلك بغيرها، وذلك قول الله تعالى ذكره: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] ، ولا عسر أعظم من أن يلزم من صامه في سفره عدة من أيام أخر، وقد تكلَّف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأداه. فإن ظن ذو غباوة أن الذي صامه لم يكن فرضه الواجب، فإن في قول الله تعالى ذكره: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ} [البقرة:183] ، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] ما ينبئ أن المكتوب صومه من الشهور على كل مؤمن هو شهر رمضان مسافرا كان أو مقيما؛ لعموم الله تعالى ذكره المؤمنين بذلك بقوله: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ} ، {شَهْرُ رَمَضَانَ} ، وأن قوله: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} معناه: ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر برخصة الله فعليه صوم عدة أيام أخر مكان الأيام التي أفطر في سفره أو مرضه. ثم في تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله إذ سئل عن الصوم في السفر: (( إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر ) )الكفاية الكافية عن الاستدلال على صحة ما قلنا في ذلك بغيره" ( [32] ) .
وقال ابن تيمية رحمه الله:"والصحيح الذي عليه الجمهور جواز الأمرين" ( [33] ) .
فرع: إذا علم أن الصوم في السفر مباح، فهل الصوم لمن قوي عليه ولم يُلحِق به ضررًا أفضل أم الفطر؟
اختلف العلماء رحمهم الله في ذلك إلى أقوال: