فهرس الكتاب

الصفحة 6161 من 9994

القول الأول: إن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يُلحق به ضررا، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ( [34] ) .

واستدلوا بما يلي:

1-عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة ( [35] ) .

2-عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن ( [36] ) .

القول الثاني: أن الفطر أفضل عملا بالرخصة، وبه قالت الحنابلة ( [37] ) .

واستدلوا بما يلي:

1-عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلِّل عليه، فقال: (( ما هذا؟ ) )فقالوا: صائم، فقال: (( ليس من البر الصوم في السفر ) ) ( [38] ) .

2-عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: (( أولئك العصاة، أولئك العصاة ) ) ( [39] ) .

3-عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه ) ) ( [40] ) .

4-عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ) ) ( [41] ) .

القول الثالث: أفضلهما أيسرُهما، وهو قول عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة، واختاره ابن المنذر ( [42] ) .

واستدلوا بما يلي:

قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] .

قالوا: فإن كان الفطر أيسرَ عليه فهو أفضل في حقه، وإن كان الصيام أيسرَ كمن يسهل عليه حينئذ ويشقّ عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل.

قال ابن تيمية رحمه الله:"قد ثبت في الصحيح عن النبي أن حمزة بن عمرو سأله فقال: إنني رجل أكثر الصوم أفأصوم في السفر؟ فقال: (( إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس ) ). فإذا فعل الرجل في السفر أيسر الأمرين عليه من تعجيل الصوم أو تأخيره فقد أحسن، فإن الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، أما إذا كان الصوم في السفر أشقَّ عليه من تأخيره فالتأخير أفضل، فإن في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ) )" ( [43] ) .

وقال ابن حجر رحمه الله:"فالحاصل أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأن من لم يتحقق المشقة يخيَّ‍ر بين الصوم والفطر" ( [44] ) .

القول الرابع: أنه مخيَّر مطلقاً ( [45] ) .

والراجح في هذه المسألة القول الثالث القاضي بالتفصيل.

قال ابن حجر رحمه الله:"والذي يترجح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن اشتد عليه الصوم وتضرر به، وكذلك من ظنَّ به الإعراض عن قبول الرخصة، كما تقدم في المسح على الخفين وسيأتي نظيره في تعجيل الإفطار، وقد روى أحمد من طريق أبي طعمة قال: قال رجل لابن عمر: إني أقوى على الصوم في السفر، فقال له ابن عمر: (من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة) ، وهذا محمول على من رغب عن الرخصة لقوله صلى الله عليه وسلم: (( من رغب عن سنتي فليس مني ) ). وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء إذا صام في السفر، فقد يكون الفطر أفضل له، وقد أشار إلى ذلك ابن عمر فروى الطبري من طريق مجاهد قال: (إذا سافرت فلا تصم؛ فإنك إن تصم قال أصحابك: اكفوا الصائم، ارفعوا للصائم، وقاموا بأمرك، وقالوا: فلان صائم، فلا تزال كذلك حتى يذهب أجرك) " ( [46] ) .

وقال ابن عثيمين رحمه الله:"والصواب: أن المسافر له ثلاث حالات:"

الأولى: أن لا يكون لصومه مزية على فطره، ولا لفطره مزية على صومه، ففي هذه الحالة يكون الصوم أفضل له للأدلة الآتية:

أولاً: أن هذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في يوم شديد الحر ،حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، ولا فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.

ثانياً: أنه أسرع في إبراء الذمة؛ لأن القضاء يتأخر، والأداء وهو صيام رمضان يقدَّم.

ثالثاً: أنه أسهل على المكلف غالباً؛ لأن الصوم والفطر مع الناس أسهل من أن يستأنف الصوم بعد كما هو مجرب ومعروف.

رابعاً: أنه يدرك الزمن الفاضل، وهو رمضان، فإن رمضان أفضل من غيره؛ لأنه محل الوجوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت