فهرس الكتاب

الصفحة 6164 من 9994

القول الثاني: له أن يفطر في بيته إن أراد السفر، وهو مروي عن عطاء والحسن، وغيرهم.

واستدلوا بما يلي:

1-عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رحلت له

راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة. ثم ركب ( [16] ) .

قال الترمذي رحمه الله:"وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية، وهو قول إسحق بن إبراهيم الحنظلي" ( [17] ) .

وقال ابن القيم رحمه الله:"وكان الصحابة حين ينشؤون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أن ذلك سنته وهدية" ( [18] ) .

المسألة الثانية: المسافر يقدم بلداً نهار رمضان وهو مفطر، وفيها صورتان:

الصورة الأولى: أن يقدم بلده في أثناء اليوم، أو بلداً نوى الإقامة فيه:

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أنه يجب عليه الإمساك بقية ذلك اليوم، وهو قول الحنفية ( [19] ) .

واستدلوا بما يلي:

عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: (( من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائما فليصم ) ) ( [20] ) .

قالوا: وصوم عاشوراء كان فرضا يومئذ؛ ولأن زمان رمضان وقتٌ شريف فيجب تعظيم هذا الوقت بالقدر الممكن، فإذا عجز عن تعظيمه بتحقيق الصوم فيه يجب تعظيمه بالتشبه بالصائمين قضاءً لحقه بالقدر الممكن إذا كان أهلا للتشبه، ونفيا لتعريض نفسه للتهمة.

القول الثاني: أنه لا يجب عليه الإمساك بقية يومه، بل يستحب له، وهو مذهب المالكية والشافعية ( [21] ) .

قالوا: لأنه أفطر بعذر، ولا يأكل عند من لا يعرف عذره؛ لخوف التهمة والعقوبة.

الصورة الثانية: إذا دخل بلداً لم ينو الإقامة بها، وإنما كانت له حاجة: فالذي يظهر ـ والعلم عند الله ـ أنه لا يجب عليه الإمساك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة عام الفتح أفطر فلم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر ( [22] ) ، ولأنه لا يزال متلبسا بالسفر، والرخصة في حقه باقية.

فرع: إذا قدم المسافر في أثناء نهار رمضان وهو مفطر، فوجد امرأته قد طهرت في أثناء ذلك النهار من حيض أو نفاس، أو برأت من مرض وهي مفطرة، فهل له وطؤها أم لا؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: له وطؤها، ولا كفارة عليه، وهو مذهب الحنفية والشافعية ( [23] ) .

قالوا: إنهما مفطران فأشبها المسافر والمريض.

القول الثاني: لا يجوز وطؤها، وهو قول الأوزاعي ( [24] ) .

المسألة الثالثة: إذا قدم المسافر في أثناء النهار وهو صائم، فهل له أن يفطر باعتبار كونه مسافرا في أول النهار؟

مذهب جمهور العلماء رحمهم الله أنه لا يجوز له الفطر، وعللوا ذلك بأن سبب الرخصة قد زال قبل الترخص بالفطر في حالة السفر، فلم يجز له الترخص بعد زوالها كما لو قدم المسافر وقت الصلاة فإنه لا يجوز له القصر ( [25] ) .

فرع: لو قدم المسافر بلده ولم يكن نوى من الليل صوما ولا أكل في نهاره، هل له أن يفطر أم لا بد أن يمسك بقية يومه؟

مذهب الحنفية: أنه يجب عليه أن ينوي الصوم إذا كان وقت للنية، وهو قبل الزوال، وإلا وجب عليه الإمساك لزوال المرخص ( [26] ) .

وقال مالك رحمه الله:"إذا علم أنه يدخل بيته من سفره في أول النهار فليصبح صائما، وإن لم يصبح صائما وأصبح ينوي الإفطار ثم دخل بيته وهو مفطر فلا يجزئه الصوم وإن نواه، وعليه قضاء هذا اليوم" ( [27] ) .

وبه قال الشافعي رحمه الله ( [28] ) .

المسألة الرابعة: هل للمترخص بالفطر في رمضان بسبب السفر أن يصوم غيره من النفل أو النذر أو القضاء؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: قول أبي حنيفة: أنه يقع عما نوى في الواجب من نذر أو قضاء، وإن كان عن نفل فعنه روايتان:

الأولى: وقوعه عما نوى عنه.

الثانية: أنه يقع عن رمضان، وهي الراجحة ( [29] ) .

ووجه قوله في الواجب، قالوا: إنه يقع عنه لا عن رمضان؛ لأن المسافر له ألا يصوم، فله أن يصرفه إلى واجب آخر؛ لأن الرخصة متعلقة بمظنة العجز وهو السفر، وذلك موجود، بخلاف المريض فإنها متعلقة بحقيقة العجز، فإذا صام تبين أنه غير عاجز.

وأما وقوعه في نية النفل عن رمضان، فقالوا: لأن فائدة النفل الثواب، وهو في فرض الوقت أكثر.

القول الثاني: ذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة ( [30] ) : إلى عدم جواز الصيام في رمضان عن غيره، فإن نوى صيام غير رمضان لم يصح ذلك.

ووجه قولهم: أن الفطر أبيح رخصة وتخفيفا عنه، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه، لزمه أن يأتي بالأصل.

( [1] ) ينظر: المجموع (6/286) ، والمغني (4/347) .

( [2] ) أخرجه البخاري في الصوم، باب: إذا صام أياما من رمضان ثم سافر (1944) ، ومسلم في الصيام (1113) .

( [3] ) أخرجه مسلم في الصيام (1114) .

( [4] ) المغني (4/348) .

( [5] ) زاد المعاد (2/57) .

( [6] ) حاشية ابن عابدين (2/431) .

( [7] ) ينظر: المدونة الكبرى (1/180) ، والتمهيد (22/51) .

( [8] ) ينظر: المجموع (6/266) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت