وقد يتأنق بعضهم كما نرى في أحوال الناس فيتختم أولئك بالذهب ، وبما حرم الله عز وجل من الملابس ، وهذه أمور كثيرة يلج منها أرباب هذه المظاهر إلى الوقوع في المخالفات الشرعية الصريحة الواضحة سواءً في هيئاتهم ولباسهم أو في مجاملاتهم .. يذهب إلى أهل المظاهر فيقدمون له الطعام في أواني الذهب والفضة فيرى أن من التخلف أو من عدم التمدن أن يقول إن هذه حرام !
وقلّ أن تجد من الخائضين في بحر المظاهر من يقف وقفة واضحة صارمة عندما يكون هناك داع أو ظرف يقتضي فعل المحرم أو ممارسته قليلون أولئك ؛ لأن هذا التيار يغمر ويبهر ويؤثر على القلب ويضعف العزيمة في الحق ، فتجد صاحبه يراعي المظاهر أكثر مما يرعى الأوامر والنواهي الشرعية ويكون عنده خوف غضب الناس وذمهم له أعظم عنده في واقع الأمر من نظره إلى غضب الله عز وجل أو وقوعه في دائرة الذم الشرعي وهذا لا شك أنه من أعظم مخاطر هذه المظاهر.
رابعاً: التكلف المرهق
فإن هذه المظاهر ما تزال تستنزف من المرء ماله وجهده ووقته في مظاهر لا تنتهي والمثل الذي نعرفه يقولون فيه:"مد رجلك على قدر لحافك".
لكن من دخل في المظاهر يمد رجله على قدر كلامه ، وعلى قدر غطرسته ، وعلى قدر مظاهره فإذا كان - وهذا الغالب- يخالط أهل المظاهر الذين عندهم الإمكانيات ؛ فإنهم إذا دعوه دعوة إلى الغداء أو إلى العشاء إنما يدعونه إلى فنادق فخمة أو إلى بيوت هي من القصور الفارهة ، فإذا أراد أن يدعوهم دعاهم بمثل دعوتهم فيجلب على نفسه الويل والثبور وعظائم الأمور وهذا كثيراً ما يقع فيه الناس .
وبعض أولئك الذين يخوضون في هذا البحر المتلاطم فإذا به يكلفهم ويرهقهم مالياً وحتى معنوياًً لماذا ؟ لأنه يسعى إلى أن يكون دائماً في كل محفل ومناسبة وكل محفل ومناسبة يحتاج منه إلى تأنق وتألق وتجمل ويحتاج منه إلى أمور هي أيضاً من الأمور المرهقة مالياً ومعنوياً و أولئك القوم من أهل المظاهر ومن أهل الجاه ومن أهل المال ربما يطلبونه لأمر من الأمور ، و إذا أراد أن يكون من أهل المظاهر لابد أن يلبي دعوتهم ، ولا بد أن يسارع إليهم ، وأن يقدم لهم ما يطلبونه من طلب حتى يكون من المقربين .. وهذا ديدن من يكون كذلك .
وهذا لا شك أنه أيضاً يجعله دائماً مرهقاً متعباً ، لاهث الأنفاس ، مستنزف الأموال .. ومع ذلك يكون في نفسه دناءة وذلة من أثر هذا الأمر الذي يفخر به على غيره ، لكنه أيضاً يسعى به ويسعى بنفسه إلى أن ينال الحظوة عند من هو أعظم منه أو أكثر أبهة أو فخامة كما يقال .
خامساً: تعطيل وتأجيل الأعمال
أصحاب المظاهر كثيراً ما يكونون بعيدين عن الجد مثلاً إذا كان عنده موعد أو عمل ولكن ليس عنده غترة مكوية لا يستطيع أن يخرج من بيته يبقى في بيته لا يستطيع أن يتحرك لماذا؟ لأنه كيف يظهر للناس وعنده هذه المشكلة العظمى والعائق الكبير ؟ وإذا وجد في ثوبه قطرة من حبر أو شيء لا يستطيع أن يخرج لا يستطيع أن يؤدي عمل إذا جاء في أمر واحتاج منه إلى عمل حتى يأخذ أو يرفع أو يخفض أو يحمل ؛ فإنه لا يستطيع دائماً متأنق كيف يمكن أن يحمل شيئا أو أن يحمل كيساً أو أن يرفع صندوقاً أو نحو ذلك .
فتجده دائماً أسيراً لهذه المظاهر ليس عنده جدية في العمل كما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وإما أن يبقى أسيراً لهذه المظاهر الفارغة ، فهذا ضرب من ضروب التأنث من جهة وضرب من ضروب الكسل وعدم العمل ، ونوع من التراخي والركون إلى الأرض وعدم الجدية المطلوبة في حياة الإنسان المسلم.
سادساً: الطمع وعدم القناعة
هذه المظاهر كالأضواء الخاطفة تخطف الأبصار كلما رأى شيء تعلق قلبه به ، وكلما اقتنى شيئا تأملت نفسه في غيره وما يزال دائماً ينظر إلى الأعلى ، وكما نقول نحن دائماً في الأمثلة يقولون:"الذي يطالع فوق رقبته تنكسر".
وهؤلاء كذلك دائماً ينظر إلى الأعلى ينظر إلى هذا وينظر إلى ذاك ويريد أن يكون عنده مثل هذا ومثل ذاك يريد أن يقتني مثل هذه الأمور يريد أن يكون على مثل تلك الأحوال وما يزال دائماً في سباق محموم مع هذه المظاهر التي لا تنتهي ولن تنتهي ويضحك أعداءنا علينا كل يوم يخرجون لنا نفس البضاعة لكن باسم جديد أو بشكل جديد يستنزفون بها أموالنا ويسخفون عقولنا ، وما يزال بعض أولئك القوم في طمع، وفي هلع دائم لا يمكن في غالب الأحوال أن يصلوا إلى قناعة ؛ لأن الجو يضغط عليه لو أراد أن يصل إلى هذا الحد ويقول: أكتفي سيجد في الأضواء المحيطة به من يقول له مالك هذه السيارة لها ستة أشهر لم تغيرها أو سنة وهو في جو بعض الناس يغير سيارته كل شهرين أو ثلاثة أو قل أقل من ذلك أو أكثر ! إن الجو المحيط به يجعله يندفع شاء أم أبى .
سابعاً: الأنانية وتقديم المصلحة الشخصية