فإن من يعتني بهذه المظاهر لا يهتم إلا بنفسه في الغالب لا ينشغل بأحوال الآخرين ولا ينشغل بأحوال الأمة كيف ينشغل بأحوال الأمة وهو يترقب الموديلات وعناوين المجلات وأسماء العطور وأنواع الأحذية ، وما فعل فلان والمناسبة الفلانية والدعوة الفلانية ! هو مشغول بهذا فهو لا يفكر إلا في ذاته ولا ينحصر إلا في شخصيته ، ولا يطلب إلا المزيد من هذه المظاهر التي يحرص عليها ، ويتعب لأجل تحصيلها .. فلذلك أمثال هؤلاء في غالب الأحوال تطرأ عليهم المظاهر حتى تنسيهم حتى أقرب المقربين إليهم ، ربما يكونون ذوي قرابتهم في حاجة إلى بعض المال وهو يصرفه على بعض البذخ أو على هذا التأنق ، أو على هذه المظاهر الفارغة .. ربما تكون أمته ربما يكون بنو جلدته ، ربما يكون المسلمون في شرق أو غرب يسامون سوء العذاب يحتاجون منه إلى تأثر قلبي على الأقل ، يحزن لحزنهم ، ويفرح لفرحهم ، فهو لا يحزن إذا حزن إلا على فوات المصلحة ، أو أنه لم يدع في تلك المناسبة ، أو أنه لم يحظ بجلسة مع فلان ، أو يكون معه في حديث خاص أو لقاء منفرد أو نحو ذلك مما ينظر إليه هؤلاء ؛ فإنه حينئذ لا تكون عندهم إلا هذه الأمور وإذا جاء من يطلبه مصلحة أو من يحتاجه في أمر نظر هل هذا الشخص إذا قضى له المصلحة ستكون له عنده حظوة أو منه فائدة أو يرجى أن يذكره في مجلس من المجالس أو في مظهر من المظاهر إن كان كذلك فهو إليها مسارع وإليها مبادر وإلا في الغالب إن قال أو وافق ؛ فإنما يوافق على مضض أو للمجاملة ثم يهمل وينسى ولا يهتم ، ثم إذا طلب منه أحد من علية القوم أو من أولئك الوجهاء أصحاب المظاهر ؛ فإنه لا يبيت ليلته حتى يفعل الأمر المطلوب أو المصلحة المرجوة ، ثم يتصل ويقول: فعلت كذا وكذا لعله إن شاء الله ينال رضاكم واستحسانك ويضخم ويبجل ويعظم ، وكما يقولون يضرب الفرش أما في أصحاب الخير أو في قضاء مصلحة محتاج فكثير ما ينشغل أولئك عن هذه الأمور ، ويضربون عنها صفحاً ولا ينشغلون بغير ما يعود عليهم بنفع مباشر .
ثامناً: التعلق بالدنيا وأهلها
وهو قريب من الذي سبق تعلق بالدنيا ، فلا ترد الآخرة على قلبه ولا على خاطره ، شيئاً فشيئاً تعمي الدنيا قلبه وتخطف بصره وتشغل فكره فإذا فكر في أمراً فإنما يفكر فيه بمقياس الربح والخسارة الدنيوية ، ولا يخطر بباله الربح والخسارة في الآخرة يبقى دائماً ينظر إلى كل شيء من خلال الدنيا وإذا أحب فإنه لا يحب إلا لأهل الدنيا ترى بعض أولئك إذا جاء الرجل من أهل المظاهر هش له وبش ، وقام ورحب وبجل كما ذكرت وإذا قدم الرجل عليه ربما يكون عند الله من أقرب المقربين ومن عباد الله الصالحين لكنه لا يلتفت إليه ، وإذا صافحه صافحه بأطراف أصابعه ، وإذا نظر إليه نظر إليه نظراً عابراً عارضاً لا يكترث له ولا يحتفل به ، ولا يرى أنه رآه وهذا كما أشرت هو صورة من صورة الكبر في غمط الناس واحتقارهم ؛ وبالتالي تجد بعض أولئك القوم يترفع عن غير أهل المظاهر إذا جلس إلى جنب إنسان يقبض عنه ثوبه ، كأنما يخشى من وباء خطير أن يعديه ، وتجد بعض أولئك القوم يترفع كما في قصة جبلة بن الأيهم لما كان يجر إزاره وهو يطوف فوطئه أحد الأعراب عن غير قصد ، فرأى أن ذلك نال من كبريائه وعظمته فالتفت ولطم الأعرابي فشكا الأعرابي إلى عمر رضي الله عنه ، فعلم جبلة أن عمر سينتصف للمظلوم من الظالم ويقتص له فرأى جبلة أن كبرياءه وعظمته أعلى من أن يقتص لأعرابي منه ، فمضى وتنصر وهرب إلى بلاد الشام فانظر إلى ما قد تقود إليه مثل هذه المظاهر الفارغة والعجب بالنفس والتيه الذي هو من شر صفات الإنسان عموماً ، ويكون أقبح وأرذل من المسلم وكذلك من الشاب المسلم الذي فيه خير وله عناية بالخير.
تاسعاً: اختلال الموازين
من كان كذلك كما أشرت لا يقيس الناس إلا بتلك المظاهر فقيمتك عنده بقدر ما عندك من مال أو جاه أو مظهر يجمعها ويعطيك الدرجة من مائة ! أما صلاتك أما زهدك أما عبادتك أما دعائك أما من هذه الأمور فليست عنده لها قيمة ولا وزن وهذا قد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم ورأى وبين لأصحابه تأثرهم بالمظهر في صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا ؟ فقال رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفع فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مر رجل آخر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا ؟ فقال يا رسول الله:هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب ألا ينكح وإن شفع أن لا يشفع ، وإن قال أن لا يسمع لقوله ! فقال عليه الصلاة والسلام: ( هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا ) .