فهرس الكتاب

الصفحة 7130 من 9994

إن كنت تبغي بهذه المظاهر شيئاً من الوجاهة وبعض من الثناء وحظاً من الرفعة ؛ فإنك ربما حصلت على هذا ولكنك حرمت الحرمان الأكبر الذي ذكر في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الشيخين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لاينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء ) حسبك هذا الحرمان أن تحرم من نظر الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم العصيب ، وأن تحرم هذا الخير العظيم ؛ فإنه قد ورد الحديث أيضاً عند الشيخين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً ) ، وفي حديث حارثة بن وهب عند أبي داود في السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا يدخل الجنة جواض ولا جعظري ) ، والجواض غليظ القلب الذي يكون فيه قسوة ، وهذه القسوة بعض آثار تلك المظاهر عند أصحابها وأربابها ..

واستمع إلى الرواية التي يرويها أبي هريرة ويعطينا فيها درساً في ما ينبغي أن نحرص عليه إذا وجدت عندنا بعض أسباب العظمة وأحاطت بنا بعض مظاهر الفخامة والأبهة هذا أبو هريرة يروي الحديث في رواية محمد بن زياد قال: سمعت أبو هريرة يقول - وقد رأى رجلاً يجر إزاره وجعل يضرب الأرض برجله - وأبو هريرة أمير البحرين أي في موضع الفخامة والمظاهر والأبهة - فقال أبو هريرة للرجل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لا ينظر يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً ) ، قال محمد بن زياد: وكان أبو هريرة يستخلف على المدينة فيأتي بحزمة الحطب على ظهره ، فيشق السوق وهو يقول جاء الأمير جاء الأمير حتى ينظروا إلى أميرهم وهو يحمل الحطب فوق ظهره لا يتعالى عليهم ، ولا ينشغل بالمظهر عن حقيقة ما هو منتدب له ، وعن حقيقة مهمته .

من هذا الذي من أهل المظاهر سينكب اليوم ليحمل حطب على ظهره فيتسخ بذلك ثوبه، ويحتقر عند الناس مظهره إلى آخر ذلك .

ثانياً: الخزي الأعظم

وهو أمر من الأمور التي ينبغي أن يتنبه لها ويحذر منها كل من اغتر بالمظاهر تلك التي يريد أن يسمو بها ويرتفع ويتضخم وينتفخ - كما قلنا - كالبالون أو كالطبل الأجوف ؛ لينظر ما سيكون عليه من الخزي من كان كذلك وليس له عند الله حظ ولا نصيب ، ولا في الإيمان والطاعة قدر يشفع له عند الله عز وجل .. هذا الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان فيساقون إلى سجن في جهنم يقال له بُوْلس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار: طينة الخبال ) أخرجه الترمذي وحسنه.

واستمع أيضاً إلى حديث سلمة بن الأكوع عند الترمذي بسند حسن ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم ) .

والنبي عليه الصلاة والسلام وهو ينبهنا على هذا يذكرنا بالميزان الحق الذي سنذكره بشيء من التوضيح كما مر بنا في اختلال الموازين .. هذا حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عند الترمذي أيضاً بسند حسن قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكة فقال: ( يا أيها الناس: إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها - هذه المفاخر التي كانت عندهم - الناس رجلان بر تقي كريم على الله عز وجل ، وفاجر شقي هين على الله عز وجل الناس كلهم بنو آدم وخلق الله آدم من تراب ) .

كما نقول نحن لكل من يتكبر أو يتباهى كلنا أولاد تسعة كل الناس خلقتهم واحدة كلهم من طينة واحدة كلهم مهما علا وتكبر لا يستطيع أحدهم أن يعدو قدره ولا أن يتجاوز مقداره في ميزان الله عز وجل وتجري عليه أقدار الله عز وجل ، وفي حديث أبي هريرة وهو شاهد للحديث الذي قبله قال عليه الصلاة والسلام ( لا ينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم ) ،كانوا يفتخرون بالآباء من أهل الكفر واليوم ربما يفتخر بعض الناس بمن ليس له كما قلنا مثقال حبة خردل من إيمان يتباهون بأنه يعرف فلان وفلان ويتباهى بأنه قابل فلان أو فلان دعاه أو أن فلان أجاب دعوته في منزله وهذا ليس من أهل الإيمان.

ثالثاً: المحتقرون العظماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت