فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أشرف الشرفاء وأعظم العظماء وسيد السادات محمد صلّى الله عليه وسلم كان يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويكون في معونة أهله ، وكان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع ، وهو خير خلق الله أجمعين .. وهذا هو الشرف فإذا رأى أولئك أنهم يريدون تلك المراتب بمثل هذه المسالك ؛ فإنما هم على أحد حالين: إما أن يكونوا خالفوا هدي رسول الله علية الصلاة والسلام ، أو اعتقدوا لأنفسهم هديً وطريقاً أفضل من هديه وطريقه عليه الصلاة والسلام ، وكلاهما أمران أحلاهما مر - كما يقال - ألم يسمعوا حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم - وهو مروي من طريقين - يعضد أحدهما الأخر بما يحسن به الحديث إن شاء الله روي من حديث أنس وروي كذلك من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ( اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين -في رواية أنس: قالت عائشة:لم يا رسول الله - قال إنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا ، يا عائشة لا تزدري المسكين ولو بشق تمرة ، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة ) رواه الترمذي .
هذا حديث رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وذكرى يقول فيه كما في سنن ابن ماجه من حديث أبي أمامة الحارثي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( البذاذة من الإيمان ) البذاذة يعني التقشف وعدم العناية بالتأنق والمظهر .. كن صاحب ثوب نظيف ونعل نظيف لكن بالقدر المطلوب.
واستمع إلى صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا كيف كان الصحابة وهم في الضراء وهم في السراء عندما كانوا لا يجدون ما يأكلون ، وعندما صاروا أمراء هذا عتبة بن غزوان كما في الصحيح مسلم يروي لنا وهو أمير مكة يروي خالدبن عمير العدوي يقول:"خطبنا عتبة ابن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرام ، وولت حذاء ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء - يعني قليل - يتصابها صاحبها وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً لا يدرك لها قعرا والله لتملأن جهنم"أفعجبتم وقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة ولا يأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام ، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول لله صلّى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها ، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار ، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا"انظروا إلى القول عرفوا الحقيقة الجوهرية وما غيرتهم المظاهر ولا غيرت حقيقة جواهرهم وقلوبهم:"وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملك فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا"، هكذا قالها صحابي من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلم يبين منزلة الدنيا ويذكر بالآخرة نعيمها وجحيمها ، ثم يبين تبدل الأحوال وأن المرء ينبغي أن يكون على خير ما يكون."
ثم انظر إلى العظماء من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم الذين قادوا الجيوش ، وفتحوا البلاد ، وملكوا الأمصار .. ومع ذلك ما نقص من قدرهم عدم رعايتهم لتلك المظاهر .
استمع إلى بعض هذه النماذج - ولو فتحنا باب النماذج لنقضى ليلنا ونهارنا ولم نستطع أن نلم إلا بأقل القليل منها:
هذا أبو هريرة يروي عن نفسه يقول: إن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة - أي من ذكر الحديث - وإني كنت ألزم رسول الله صلّى الله عليه وسلم لشبع بطني حتى لا أكل الخمير ، ولا ألبس الحرير ، ولا يخدمني فلان وفلان وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع وإن كنت لا أستقرئ الرجل الآية وهي معي - يأتي إلى بعض الصحابة يقول له أقرئني آية كذا وهو عنده ويحفظها - كي ينقلب بي فيطعمني - ما يريد التعليم وإنما يريد الطعام - وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فيشقها فنلعق ما فيها . والحديث في رواية البخاري .
وفي وصف حال أشرف الناس صحب رسول الله مصعب بن عمير ، الفتى الذي كان أعطر شباب مكة وأحسنهم لمة الذي كان في أرق صور النعمة والترف خرج من كل ذلك لله ولرسوله حتى لما أقبل مرة وهو في ثيابه الغلاظ بعد أن انحسرت عنه النعمة ، ومنعت عنه أمه أسباب الوجاهة والثراء بكى رسول الله وتأثر لحاله ثم قال: ( ولقد رأيته وما في مكة أعطر منه ولا أحسن لمة منه ما أخرجه من ذلك إلا حب الله وحب رسوله ) .