فهرس الكتاب

الصفحة 7564 من 9994

على كل وحتى لا نشتط بعيدا خارجين عن اصل موضوعنا فان الديمقراطية التي يصر كثير من النخب العربية على جعلها مرادفة للعملية الانتخابية وللحكم التمثيلي - وربما يشفع لهم في ذلك شدة سطوة النظم الدكتاتورية التي دفعتهم في حركة ردة فعل لا واعية للاتجاه نحو ما ظنوه فردوس الديمقراطية (نعم كالفراش الذي يندفع في شوق الى النار المحرقة) - تعكس عقيدة ودين شامل يتجاوز بكثير مسالة الانتخابات. .

والحق اننا لو تعمقنا في منشا الديمقراطية هذه لادركنا ان حكم الشعب بالشعب وللشعب- نظريا طبعا- ما هو الا الافراز السياسي لسلسلة تطورات فكرية عصفت بالمجتمع الاوروبي الذي ثار على جمود الكنيسة التي اصرت على محاربة عقارب الساعة بالتشبث بنظريات واهية تعود في جذورها الى وثنية اليونان وما اقتبسوه من فلسفات شرقية قامت على نزعة احتقار المادة والجد في طلب السمو الروحي ،هذه النظرة التي تناقض وتخالف طبيعة الانسان التي فطره خالقه وبارئه عليها. (ومن هنا منشا النظرة الدونية الى الجنس واعتباره مسلكا حيوانيا مدنسا للقيمة الروحية للانسان، والخطيئة الاصلية ..الخ)

فقد اثبتت الكشوفات العلمية بطلان وفساد النظريات الوهمية التي اصرت الكنيسة على فرضها بموجب نظرية الحق الالهي المتجسد عبر السلطة الباباوية،و ادت هذه الكشوفات ومارافقها من وعي فلسفي من جمهرة من الفلاسفة والمفكرين الاوروبيين الى خلع جذور النظام الديني القروسطي الذي كان متحالفا مع رجال الاقطاع، فوجد الملوك ضالتهم في تبني هذه الطروحات الاصلاحية ليكرسوا نفوذهم السياسي على حساب كل من الكنيسة ورجال الاقطاع مطلقين بذلك الموجة الثانية (بحسب تعبير توفلر) والتي فتحت الابواب مشرعة امام الثورة الصناعية التي واكبت عصر"الانوار"والذي مهد بدوره لديمقراطية اليوم حيث يتمتع افراد قلائل بثروات تفوق مئات الملايين مجتمعين؛ وحيث الالهة الجديدة من راسمالية الشركات المتعددة الجنسيات يقررون في اجتماعاتهم المغلقة مصير البشرية

الا انه مما يقدح في نبل متنوري اوروبا انهم لم يجدوا حرجا ليس فقط في غض النظر عن حروب الابادة الوحشية التي رافقت سعار الحملة الاستعمارية الامبريالية الواسعة في القرن ال 19 بل وفي تبريرها ايضا كون هذه القرابين البشرية (اي ابادة ملايين من السكان الاصليين، كما يذكر مايك ديفيس في كتابه"الهولوكست المنسي"ان 60 مليونا من سكان المستعمرات قضوا نحبهم نتيجة الموجة الاستعمارية فيما بين 1870-1906) ثمن ضروري لبناء المستقبل الزاهر للبشرية (كما ذهب داروين حين عقب على المجزرة ضد سكان تسمانيا على يد الجيش الانجليزي بان المستقبل سوف يثبت احقية الرجل الابيض في القضاء على العناصر الهمجية المنحطة بحسب نظريته في"البقاء للاصلح")

ولذا فقد كان من المنطقي تماما ان يجرب هاري ترومان بعض العابه ضد الشعب الاصفر بالقائه قنبلتي هيروشيما وناغازاكي متفوقا بذلك على هتلر الذي لم يتاح له تنفيذ"الحل الاخير"القاضي بتفوق العرق الجرماني على ما سواه، كما كان من المنطقي تماما تجرية اسلحة النابالم في فيتنام والقنابل العنقودية في قانا واهداء رجل السلام شارون مائة طائرة من اف 16 وان يدفع 500000 من اطفال العراق الثمن لتحقق اولبرايت اهداف راسماليي الوول ستريت .

من هنا نرى ان الديمقراطية المزعومة ما هي الا افراز نتن لدين العالمانية الذي قام على انقاض دين الكنيسة الذي خرج عن خطه الاصيل الذي جاء به المسيح عليه السلام، حين اصر رجالات الكنيسة على اضفاء الصفة الالهية على اجتهاداتهم البشرية الخاطئة.

اي"العالمانية"نسبة الى العالم ، هي دين قام على اساس انكار وجود الاله مطلقا ولذا فينحصر اهتمام هذا الدين بالركض الحيواني في الحياة الدنيا دون ادنى اعتبار لاي مقياس اخلاقي او روحاني اذ انه ينكر الناحية الروحية، والمتعلقة بالايمان بوجود خالق للكون وللانسان، انكارا تاما. ولذا لم يكن بدعا من القول التناقض الشنيع بين الالهة المتعددة فبينما يذهب توماس هوبس الى ان الانسان شرير بطبعه ولا بد من سلطة عليا تقمع جماحه ،يرى جون لوك انه خيرولكن لا بد من وجود عقد ينظم حدود علاقته بالاخرين، وكذا ذهب روسو الى وجوب اخضاع الاقلية الرافضة لدكتاتورية الاكثرية ...الا ان قرونا من التجارب الديمقراطية في حل العقدة الكبرى التي عبر عنها روسو بانها:ايجاد صيغة من العقد الاجتماعي تضمن شخص ومال كل فرد بحيث يستطيع الفرد طاعة نفسه فقط (اي يكون سيد نفسه) بينما هو عضو كامل العضوية في الجماعة الام (المجتمع) ... هذه الصيغة لم يعثر عليها بعد ارباب الديمقراطية الغربية ، ولنا عودة في مقال اخر -بعون المولى- لتبيان فساد وبطلان وتناقضان اولئك القوم من المنظرين الغربيين

فمن من هؤلاء نتخذه ربا في تناقضاتهم الكثيرة؟؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت