فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إخلاصنا مريض يوشك أن يموت !
12 جرعة ليتماثل للشفاء
أبو أحمد الزهراني
إذا أحسست بأي وعكة في إخلاصك فانتقل فورًا إلى أقرب خلوة لا يراك فيها إلا الله تصفح هذا الكتيب وحاول أن تستشعر ما فيه من الآيات والأحاديث.
يتوقع في هذه الحالة أن تسيل على خدك قطرات من الدمع تكون بإذن الله طهرًا لقلبك مما وقع فيه. كرر هذه الطريقة كلما أحسست بسهام إبليس تتوجه نحو إخلاصك لربك. لا تنسانا من صالح دعائك
تعريف الإخلاص قيل فيه أقوال كثيرة ولعل من أفضلها تعريف الهروي قال: الإخلاص تصفية العمل من كل شوب.
منزلة الإخلاص من الدين:
قال أبن رجب رحمه الله في شرح حديث إنما الأعمال بالنيات: والنية في كلام العلماء بمعنيين أحدهما: بمعنى تمييز العبادات بعضها من بعض وهذه هي التي توجد في كلام الفقهاء وفي كتبهم. والثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل هل هو لله وحده لا شريك له ، أم غيره ، أم الله وغيره ،وهذه النية هي التي يتكلم عنها العارفون في كتبهم وفي كلامهم عن الإخلاص وتوابعه ،وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفًا سماه:كتاب الإخلاص والنية وهي التي يتكرر ذكرها في كلام النبي صلى الله عليه وسلم تارة بلفظ النية وتارة بلفظ الإرادة وتارة بلفظ مقارب لذلك وقد جاء ذكرها كثيرًا في كتاب الله عز وجل إلخ
ونستفيد من كلام الإمام ابن رجب هنا أن المقصود الأول من النية في الشرع قبل أن يكون تمييز العمل المراد يكون تمييز المقصد المراد هل هو الله تعالى ورضاه أم المقصود غير الله أم المقصود الله وغيره وبهذا يتبين لنا أن جميع الأحاديث والآيات التي تتكلم عن المقاصد إنما هي بالدرجة الأولى إلى الإخلاص لله في القصد. فمنزلة الإخلاص في الدين أن الدين هو الإخلاص والإخلاص هو الدين فالدين إنما جاء ليقوم الناس بالإخلاص فهو يدعو إلى الإخلاص بنوعيه وقسميه:
1-إخلاص القصد لله.
2-إخلاص الطاعة والامتثال لله بالمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم
وقد جاءت القرآن فضلًا عن السنة جاء بالأدلة الصريحة في الأمر بالإخلاص والدعوة إليه والنص على أنه شرط لقبول الأعمال. من هذا قوله تعالى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف: 110) وقال {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } البقرة: 207 وقال {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء: 114. وقال: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه} البقرة272. وقال: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} الرعد 22.
إلى غير ذلك من الآيات التي تنص على الإخلاص وتدعو إليه ونختتم الحديث في منزلة الإخلاص بكلمة لمؤلف استفدت منه كثيرًا في هذا البحث وهو حسين العوايشة في كتابه الإخلاص قال في ذلك الكتاب: قبل أن تخطوا خطوة واحدة أخي المسلم عليك أن تعرف السبيل التي فيها نجاتك فلا تتعب نفسك بكثرة الأعمال فرب مكثر من الأعمال لايفيده إلا التعب منها في الدنيا والعذاب في الآخرة (رب صائم ليس له من صيامه إلا التعب ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ) فلتعلم قبل كل شي ماذا يشترط للأعمال حتى تقبل فلا بد من أمرين . أولهما: أن يكون صاحبه قد قصد به وجه الله تعالى.
ثانيهما: أن يكون موافقًا لما شرع الله تعالى في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم
ما هو موضوع حديثنا في هذه الأوراق !
موضوع الإخلاص موضوع طويل بل الدين كله إنما هو الحديث عن الإخلاص ولكن أي جوانب الإخلاص سنتناول في هذه الأوراق ؟ لتحديد موضوع حديثنا هنا نستعيد تعريف الهروي المختار وهو قوله الإخلاص تصفية العمل من كل شوب فالعمل إما أن يكون: خالصًا لله. أو يكون خالصًا لغير الله وفيه من الشرك ما يخرج من الإسلام .
وإما أن يكون العمل في أصله لله ولكن تشوبه شوائب تفسده أو تنقص من أجره وهذا هو محل حديثنا الشوائب فقط فما هي يا ترى شوائب الأعمال ؟ شوائب العمل ثلاث شوائب لا يكاد عمل أن يطهر من واحدة حتى يقع في الأخرى إلا من رحم الله فالعمل إما أن يشوبه تعظيم الناس وقصدهم بشيء منه وهذا هو الرياء وإما أن يشوبه تعظيم النفس
والذات فينسب لها شيء من الفضل وهذا هو العجب الذي قد يصاحب العمل حتى في الخلوات.
وإما أن يشوبه تعظيم الدنيا وطلبها بعمل الآخرة. وقلما ينجوا عمل من شائبة من هذه الشوائب وقد تشوبه جميع الشوائب وتحيط به جميع المفاسد ولا حول ولا قوة إلا بالله. علاج مريض الإخلاص تبين لنا أن من الناس من الإخلاص عندهم ميت وليس حديثنا هنا عنهم. ومن الناس من إخلاصهم مريض قد أصابته العلل والشوائب فهو في أمس الحاجة للعلاج والدواء قبل أن يستفحل المرض وربما أدى إلى وفاة الإخلاص عند صاحبه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فحديثنا عن هؤلاء وعلاجهم لعل الله أن يكتب لنا ولهم الشفاء طبيعة الدواء وقبل الحديث عن العلاج لابد أخي الكريم أن ننبه إلى أمر وهو مرارة هذا العلاج وصعوبة تناوله فأصعب شيء مجاهدة النفس على الإخلاص فالمريد للإخلاص يحمل نفسه على السير على سراط جهنم الذي هو أحد من السيف وأدق من الشعرة و أروغ من الثعبان عليه كلاليب كشوك السعدان لا يعلم قدر كبرها إلا الله قال تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا} وقال تعالى {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ( ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } قال صلى الله عليه وسلم ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي) قال يوسف بن الحسين: أعز شيء في الدنيا الإخلاص وكم أجتهد في إسقاط الرياء من قلبي فكأنه ينبت على لون آخر. قال ابن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد . قال الشيخ محمد المنجد: أي أن الإنسان يستطيع أن يجاهد نفسه فيطول اجتهاده ولكنه يجاهد نفسه فلا يملك طول إخلاصه وحسن نيته فهي أشد تقلبًا من القدر إذا استحكمت غليلنًا.
نخلص مما سبق أخي الكريم بما يلي: