وبعد هذه الملامح أحب أن أتحفكم ببعض المظاهر الايجابية الموجودة عند المسلمين هناك ، وهذه المظاهر سأتحدث عنها في جمهورية واحدة هي التي زرناها ، وهي جمهورية تتارستان ، والتي عاصمتها قازان ، وقبل أن اذكر هذه المظاهر الايجابية أحب أن أقدم بمقدمة ، فأقول: إن هذه الجمهورية لا تكاد تختلف عن الجمهوريات الإسلامية الأخرى ؛ وذلك بالنسبة لما ذكرناه سابقاً من محاولات المسخ والتغيير وأوضاع المسلمين هناك ، وعندما نتكلم عنها إنما نعطي نموذجاً فقط لجمهورية إسلامية من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ، وسف أتحدث عن هذه الجمهورية من خلال النقاط الآتية:
أولاً: عدد سكان هذه الجمهورية هو ثلاث ملايين ونصف تقريباً ، ونسبة المسلمين فيها تصل إلى ستين بالمائة تقريباً . والبقية من النصارى الروس ، ويوجد قلة من غيرهم ، وسكانها من التتار وهم معروفون بأنهم جزء من الأمة التركية المعروفة ، ويرجعون إلى أصولها .
ثانياً: هذه الجمهورية غنية بثرواتها الزراعية والنفطية وكثرة الأنهار فيها ، ويوجد بها نهر يخترقها وهو من أعظم الأنهار في العالم يسمى نهر الفولجا ، وهو نهر ضخم وعذب يعتبر من أجمل ما في تلك البلاد . وفيها أنهار كثيرة جداً تعد بالمئات.
ثالثاً:هي منطقة دخلها الإسلام قديماً ، بل إن لها نشاطاً إسلامياً متميزاً في العصور الحديثة ، قبل الحكم الشيوعي لما كانت روسيا القيصرية هي التي تحكم البلاد ، حيث صدر قانون يسمى في ذلك الوقت قانون حرية التدين ، وكان صدروه سنة 1323 هجرية الموافق 1905 ميلادية أي: قبل الحكم الشيوعي باثني عشر عاماً تقريباً . ولما صدر هذا القانون ، دخل في الإسلام الألوف من الناس في هذه المنطقة - أي منطقة تتارستان - ، بل إن هناك أسراً دخلت في الإسلام بكاملها ، وتحولت مدينة قازان العاصمة إلى عاصمة إسلامية كبرى . فأنشئت فيها جامعة إسلامية كان يدرس فيها في وقت من الأوقات أكثر من سبعة آلاف طالب ، وكانت فيها مطبعة عربية مشهورة طبعت عدداً كبيراً من أمهات الكتب الإسلامية ، ولا تزال طبعات مدينة قازان من أندر الطبعات في العالم . ورأينا في المكتبات هناك كتباً كثيرة جداً في العقدية والفقه ... وغيرها . مطبوعة في المطبعة القازانية . وأنشئ في قازان مركز ضخم للدعوة الإسلامية ، وكان لعلماء قازان جهود كبيرة في نشر الإسلام ، ولكن كل هذه المظاهر الإيجابية التي مرت علينا ، والتي جعلت من مدينة قازان عاصمة عريقة من عواصم المسلمين في بلاد المشرق ، كل هذه الأمور قضى عليها قضاءً مبرماً حينما قام الحكم الشيوعي في سنة 1917ميلادية ، وعاشت هذه البلد سبعين عاماً عملت فيه الشيوعية مسخاً وإفساداً ، وإلغاء لهويته الإسلامية . وأصبح من أبرز ما يشاهده الإنسان من آثار الحكم الشيوعي: الجهل بالإسلام ، جهلاً مطبقاً ، حتى إن بعض المسلمين هناك يجهلون أن هذا النصراني كافر أم لا ، ولقد سُئلنا أكثر من مرة: هل النصراني لا يدخل الجنة ؟ انظروا كيف يبلغ الجهل بالإسلام هذا المبلغ .
رابعاً: أوضاع المساجد الباقية هناك ، حيث الاستهانة بترك الصلاة:
فإذا نظرت داخل المساجد وقت الصلاة ، لا تجد مصلين وقت الصلاة . مع أن المسلمين بالهوية بالآلاف ، ومع ذلك لا تجد من المصلين إلا عدداً قليلاً ، فيصلي في صلاة الظهر عدد محدود ، خمسة أو ستة أفراد أو عشرة أفراد ، وفي صلاة الجمعة في المدينة التي يبلغ عدد سكانها أكثر من مائة ألف ، لا يكاد يصلى في المسجد أكثر من ألفين وربما أقل من ذلك ، ثم إذا جاء يوم العيد صلى أضعاف هذا العدد فقط ، أما ما عد ذلك من الصلوات مثل الصلوات الخمس ، فلا يكادون يعرفون الصلوات ، مثل الصلوات الخمس ، أضف إلى هذا: انتشار شرب الخمور بين المسلمين والتفسخ عند النساء المسلمات .. كل هذا من آثار الشيوعية فكراً وتطبيقاً .
أما العلماء ، فهم معدمون هناك حتى أنك إذا قابلت من يشار إليه منهم ، وجدته يقول لك: ليس عندي من العلم شيء ، ولا يعلم إلا مبادئ بسيطة ، ويحفظ قليلاً من القرآن .
ومع هذه السلبيات التي ذكرتها قبل قليل ، ومع هذا المسخ الكامل الذي تعرض له المسلمون في هذه الجمهورية إلا أن هناك ظواهر إيجابية اذكرها كما يلي:
أولاً: هناك إقبال شديد على الإسلام وحب للتعرف على عقيدته وأحكامه خاصة ممن يحملون الهوية الإسلامية .
ثانيا: حرص المسلمين هناك - وخاصة أئمة المساجد والموجهين منهم - على طلب العلم الشرعي بدءاً بقراءة القرآن ، ثم تعلم العقيدة الصحيحة والأحكام الشرعية ، ومن مظاهر هذا الحرص: أننا قابلنا عددا من الطلاب لا يحفظون إلا الفاتحة ومع ذلك حرصوا حرصاً شديداً أثناء الدورة على حفظ القرآن ، فبعضهم حفظ ثلاث سور أو أربع سور خلال الدورة فقط ، وذلك من أواخر القرآن .
ثالثاً: من خلال التجول في القرى وفي غيرها كثيراً ما يشتكي أهلها من ظلم الشيوعية ويحدثوننا عن قصص دامية مؤلمة ومؤثرة . وقعت لهم ولآباهم في السابق ، وكانوا يتقبلوننا بمحبة وفرح شديدين وكانوا يقولون لنا أحياناً: كيف تريدون أن نمحو سبعين عاماً من الجهل المطبق والحكم الشيوعي الغاشم بنصف ساعة أو بساعة تجلسونها معاً .
رابعا: من المشاهد المؤثرة أنه في مدينة اسمها أكتوبرسكي ، وهذه المدينة تقع في تتارستان رأى الإخوة في إحدى المدارس الإسلامية هناك سكناً للطلاب ، وسكناً للمدرسين ، ورأوا بجوار سكن المدرسين غرفاً نظيفة مجهزة لم تسكن ، ولما سألوا مدير المدرسة والمسؤولين عنها لماذا هذه المساكن لم تسكن ؟ قال: إننا أخلينا هذه للمدرسين الذين سيأتون من بلاد العرب ليعلمونا اللغة العربية والدين الإسلامي ، فقيل لهم: وما أدركوا بذلك . قالوا: إن إخواننا المسلمين هناك إذا علموا بحالنا واستطاعوا أن يصلوا إلينا فإنهم لن يقصروا وسيأتوننا ، وسيكونون معنا ويعلموننا.
وهذا الشعور الذي يشعر به المسلمون هناك نوجهه لكل مسلم ونوجهه للدعاة ولطلبة العلم المكدسين في بلاد المسلمين . بينما المسلمون بينما المسلمون هناك يحتاجون إلى الواحد ، وأعداؤنا من أهل البدع ينشطون هناك نشاطاً عجيباً !!!.
خامساً: من المظاهر الايجابية: الاهتمام بالعلم الشرعي ، حيث نجد إقبال الطلاب على هذه الدورات ، فهذه الدورة التي أقيمت في قازان اشترك فيها ما يقرب من مائة وخمسين طالباً ، هؤلاء الطلاب جاءوا من هذه المدينة ومن غيرها ، وبعضهم جاء من مسافة تبعد أكثر من ألف كيلوا متر ليدرس في هذه الدورة التي استمرت قرابة أسبوعين فقط.
وهذا يدل على حرصه على طلب العلم ، ولقد كانوا حريصين على الكتاب الإسلامي ، وحريصين على تعلم العقيدة ، وحريصين على تلقى وكتابة كل ما يسمعونه . وهذا - والحمد لله - يبشر بالخير ، ويدل على أن هؤلاء المسلمين مقبلون على دينهم . أسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يثبتهم ، وأن يبصرهم بدينهم ، وأن يثبتنا وإياهم على الخير والهدى .
سادساً: ومن المظاهر الايجابية: بناء المساجد ، فهناك جهود كبيرة جداً لبناء المساجد ، وهذه المساجد غالباً ما يبنيها أصحاب تلك البلاد ، فهي مشاريع نابعة من ذوات أنفسهم ، والحمد لله أنك لا تكاد تجد قرية إلا وفيها مسجد قد بني الآن أو مسجد تحت البناء ، ولا تكاد تجد قرية إسلامية إلا وأهلها حريصون على بناء المساجد ، ويلاحظ أن أشد ما يواجهونه الآن بالنسبة لهذه المساجد هو نقص الدعم المادي اللازم لإكمالها ، وذلك نظرا لانخفاض قيمة العملة وغلاء الأسعار .