فهرس الكتاب

الصفحة 9299 من 9994

حقيقة الإيمان الذي نعنيه ليست مجرد أداء الشعائر؛ فإن كثيراً من الناس يصلون ويؤدون الشعائر وقلوبهم خراب من الهدى والإيمان، والدليل نص القرآن، فالله يخبر بأن المنافقين كفروا بالله وبرسوله ومع ذلك لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ولا ينفقون إلا وهم كارهون، فهم يخرجون الزكاة ويصلون لكن مع هذا هم كفار، فليس مجرد أداء الشعائر الإسلامية الظاهرة هي دليل على وجود الإيمان، وليس مجرد التحلي أو التظاهر بمظاهر أهل الإيمان دليل قطعي على وجود الإيمان، كأن يرخي الإنسان لحيته، أو يقصر ثوبه، أو يكبر عمامته، هذه الأشياء من الدين، وهي من الإيمان لكنها ليست وحدها دليلاً كافياً على وجود الإيمان، إذ لا بد أن تقترن بأشياء تدلل وتبرهن على صدقها، وإلا فإن لحية أبي جهل كانت لحيته طويلة، ولكنها في رأس كافر. فلا بد أن يكون مع هذا الظاهر ومع هذا الشكل مضامين أخرى، ومفاهيم تدلل على أن الظاهر منطبق ومتوافق ومتطابق مع الباطن، أما إذا رأينا سلوكاً غير سوي، ورأينا مظهراً سوياً يبدأ التشكيك في صحة السلوك والمظهر، فليس هذا ولا ذاك. أيضاً: الإيمان ليس مجرد معرفة ذهنية بحقائق الإيمان، كأن تقرأ القرآن وكتب السنة كلها، وكتب العقيدة وتفهم كل شيء، فكم من إنسان يفهم ويتيقن ولا يعمل، والله يقول عن فرعون وقومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل:14] فهم يعلمون، والله يقول: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] فليس الإيمان مجرد المعارف الذهنية والثقافات الإسلامية، كأن نجد إنساناً يتكلم باسم الإسلام ويتكلم ويدافع باسم الدين وعنده قضايا وحقائق قوية في عقله، فلا نعتبر هذه فقط هي الإيمان الذي نقصده، أو هو حقيقة الإيمان، لا. ليس كذلك، ولكن الإيمان عملٌ قلبي يبلغ أغوار وأعماق النفس، ويحيط بجوانب النفس البشرية كلها؛ من إدراك وإرادات ووجدان، إدراك ذهني -أي: عقلي- تتكشف فيه حقائق الوجود عن طريق الإيمان بما أوحى الله به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من قضايا الغيب، فيؤمن الإنسان بالجنة والنار وكأنه يراها، و-أيضاً- بالملائكة وكأنه يراهم، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله، وبالكتب السماوية وبالرسل كلهم، ويؤمن قبل ذلك كله بالله عز وجل، هذا معنى الإدراك العقلي الذهني الذي تتكشف فيه الحقائق وتصل إلى حد الجزم الموقن به الذي لا يزلزله أدنى شك، يقول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15] هؤلاء هم المؤمنون، و ( إنما ) هنا أداة حصر، وحديث حارثة بن وهب لما سأله النبي عليه الصلاة والسلام: (كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمناً، قال: ما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا وشهواتها، فأضمأت نهاري بالصيام، وأسهرت ليلي بالقيام، وأصبحت وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها، فقال عليه الصلاة والسلام: عرفت فالزم، إنك مؤمن نور الله قلبك بالإيمان) هذا معنى الإيمان الذي نعنيه، فالإدراك هو: تصديق يبلغ حد الجزم بالحقائق الغيبية الأثرية، بحيث لا تكون في شك أين الجنة وأين النار!

أعلى الصفحة

الإذعان الكامل ثمرة الإدراك

الإذعان يأتي كثمرة للإدراك، فإذا آمنت أن الذي يتأخر عن المدرسة أكثر من الساعة السابعة والنصف أنه يترتب على تأخره عقوبة، بحيث إن الوكيل أو المراقب واقف بالعصا عند الباب، وأن الذي سيتأخر سوف يضرب، إذا آمنت بهذا فإنك لن تتأخر، وكذلك يتبع الإيمان الإذعان في أنك تدخل مبكراً، فإدراكك للغيبيات يستلزم منك إذعانٌ وانقياد إرادي يتمثل في خضوعك ورضاك لكل أوامر الله، وبعدك وانتهائك عن كل ما نهى الله، فمن رأيناه يبتعد عن أوامر الله ولا يأتيها، ويقع في محارم الله ولا ينتهي عنها، شككنا في إيمانه. أما إذا رأينا إنساناً مذعناً منقاداً مستسلماً لأوامر الله، أينما أمره الله وجدته، وحيثما نهاه الله لا تجده، فإن هذا نحكم بإيمانه -وأيضاً- قبل ذلك لا بد أن يتبع هذا الإدراك العقلي والإذعان السلوكي والعبادي حرارة في القلب، وحرقة في الصدر تبعث على أن يعيش الإنسان لهذا الإيمان، وعلى هم هذا الدين ونصرته، فتفكيره كله في ليله ونهاره، وسره وجهاره، ويقظته ونومه هموم الإسلام؛ لأن وجدانه معلق بالإسلام، فهو عنده إدراكات ذهنية، وإذعانات، وانقيادات سلوكية، وأيضاً عنده حرقة ووجدان يتحرك لدين الله، فيعمل بمقتضيات هذا الدين في الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى دينه، والالتزام بمبادئ هذه العقيدة، والدفاع عنها، والدعوة إليها، ومعاداة من يعاديها، وموالاة من يواليها، هذه كلها تأتي نتيجة الحرقة؛ لأن الإيمان عنده حرٌ متحرك. أما أن يكون شخصاً بارداً لا يهمه أمر المسلمين، ولا يهتم بالدعوة ولا بالدين، فهذا إيمانه إيمان مثلّج لا ينفعه ولا يسقيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذه هي مقومات الإيمان الصادق، والعقيدة الحقة التي تشرق شموسها على جوانب النفس البشرية، فكلما كان العقل مقتنعاً والإرادات متحركة، والجوارح مندفعة إلى العمل لدين الله، والقلب يحترق ويتألم على دين الله؛ كلما كان الإنسان ذا إيمان حي. أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم إيماناً صادقاً وعملاً صالحاً، إنه على كل شيء قدير. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

أعلى الصفحة

الأسئلة

باب التوبة مفتوح إلى قيام الساعة

السؤال: إذا آمن شخص ثم كفر ثم آمن هل يقبل إيمانه؟ الجواب: نعم. يقبل إيمانه، فإذا آمن ثم ارتد ثم رجع إلى الإيمان قُبِلَ إيمانه إن شاء الله، لأن التوبة مقبولة وبابها مفتوح، وهو أوسع مما بين المشرق والمغرب، ومفتوح حتى تشرق الشمس من مغربها، وإن الله ليبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فعلى العاقل باستمرار إذا أخطأ أو زلت به القدم، أو ضعف بحكم بشريته؛ ألا يستمر على الخطأ، بل عليه أن يرجع؛ ويصحح المسار، ويرجع إلى الله تبارك وتعالى، أسأل الله لنا ولكم التوفيق، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت