اقتضى سرعة العطاء وشرفه انتهي كلامه رحمه الله قل هذه الفضائل للصوم وهي أخروية فما بالك بثمراته وفوائده الدنيوية ومع ذلك فإن بعض الناس وخاصة من الصالحين والصالحات لا يعرف الصيام إلا في رمضان يعتذر لنفسه تارة بالعمل وتارة بالتعب وتارة بشده الحر وهكذا تمضي الأيام فإذا برمضان الآخر أتى وهكذا تذهب الأيام وتفنى الأعمار أخي الحبيب صمت شهرا كاملا متتابعا فهل تعجز عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر أو يومي الاثنين والخميس فاتق الله وكن حازما مع نفسك عارفا حيلها إن بعض الناس كل ما هَمَّ أن يسمو إلى المعالي ختم الشيطان على قلبه عليك ليلٌ طويل فارقد وكلما سعي في إقالة عثرته والارتقاء بهمته عادلته جيوش التسويف والبطالة والتمني وزعترته ونادته نفسه الأمارة بالسوء أنت أكبر أم الواقع قال [ابن القيم] : والنفس كلما وسعت عليها ـ اسمع لهذه الكلمة الجميلة ـ والنفس كلما وسعت عليها ضيقت على القلب حتى تصير معيشته ضنكا وكلما ضيقت عليها وسعت على القلب حتى ينشرح وينفسح… انتهي كلامه رحمه الله .
ورمضان يشهد بهذا رمضان يشهد بهذا وما كنا نشعر به من رقة القلب واتصاله بالله سبحانه وتعالى أما أنت أيتها المرأة فالكلام للرجال هو لكي أيضا وإن كنت أعجب على حرصك في رمضان على التراويح وقراءة القرآن وقيام الليل أسأل الله عز وجل أن يقبل منا ومنك ولكني أقول ما بالك إذا طلبنا منك هذه الأمور في غير رمضان اعتذرتِ بالأولاد وأعمال المنزل وغيرها من الأعمال مع أن كل هذه الأعذار لم تتغير في رمضان فالأولاد هم الأولاد وأعمال المنزل هي أعمال المنزل بل ربما أكثر في رمضان فما الذي يجعلك تحرصين على القيام وقراءة القرآن والصلاة في وقتها والصيام في رمضان وينقطع كل هذا في غير رمضان وتتعذرين بكثرة الأعذار إذا طلبنا منك ذلك في غير رمضان هذا حال النساء وحال الرجال كما أسلفت في هذه الأيام القصيرة التي مضت بعد رحيل رمضان فما هو سر نشاطنا في رمضان وما هو سر فتورنا وربما انقطاعنا في غيره أيها الأحبة سألت هذا السؤال واستنطقت الأفواه لمعرفة السر قالوا رمضان له شعور غريب ولذة خاصة قلت لماذا له هذا الشعور وهذه اللذة قالوا لأن الناس من حولك كلهم صائمون وقائمون ومتصدقون وقارئون ومستغفرون قلت أحسنتم إذاً فالسر صلاح المجتمع من حولنا والمجتمع هو نحن هؤلاء الأفراد أنا وزوجتي وأولادي وأبي وأمي وإخواني وأخواتي فلماذا لا يصلح هؤلاء الأفراد ؟ لماذا لا نربي في أنفسهم استمرار الطاعة ومراقبة الله ؟ لماذا لا نربي في أنفسهم استمرار الطاعة ومراقبة الله ؟ لماذا لا نشجعهم على صيام التطوع وقيام الليل وقراءة القرآن ؟ فنصوم البيض مثلا ونجتمع على الإفطار ونوقظ بعضنا ونجتمع على القيام ولو لوقت يسير ونخصص ساعات نجلس لقراءة القرآن وهكذا في سائر الأعمال هنا ألا تستشعرون أن السنة أصبحت كلها رمضان وأن المجتمع يشجع بعضه بعضا وليس معني هذا أن نكون كما نحن في رمضان مع أننا نتمنى هذا نحن لا نقول كونوا كما كنتم في رمضان من الاجتهاد والحرص على الخيرات فالنفس لا تطيق ذلك ورمضان له فضائل وخصائص ولكنا نقول لا للانقطاع عن الأعمال الصالحة نعم لا للانقطاع عن الأعمال الصالحة فلنحرص ولو على القليل من صيام النفل ونداوم ولو على القليل من القيام ولنقرأ ولو كل يوم القليل من القرآن ولنتصدق ولو بالقليل من المال والطعام وهكذا في سائر الأعمال ولنحيي بيوتنا ونشجع أولادنا وأزواجنا وفي الحديث الصحيح المتفق عليه قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ"أحب الأعمال إلى الله أَدْوَمُها وإن قل"أَدْوَمُها وإن قل وقد كان عمله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ديمة كما كانت تقول [عائشة] رضي الله تعالى عنها ، فهل تعلمنا من رمضان الصبر والمصابرة على الطاعة وعن المعصية وهل عودنا أنفسنا على المجاهدة ضد الهوى والشهوات هل حصلنا التقوى التي هي ثمرة القيام الكبرى واستمرت معنا حتى بعد رمضان فإن الصلة بالله وخوف الله هي السر في حياة الصالحين والصالحات أيها المحب إياك والعُجْبَة والغرور بعد رمضان ربما حدثتك نفسك أن لديك الآن رصيدا كبيرا من الحسنات كأمثال جبال تهامة أو أن ذنوبك غفرت فرجعت كيوم ولدتك أمك فما يزال الشيطان يغريك والنفس تلهيك حتى تكثر من المعاصي والذنوب ربما تعجبك نفسك وما قدمته خلال رمضان فإياك إياك والإدلال على الله بالعمل فإن الله عز وجل يقول (ولا تمنن تستكثر) ولا تمنن تستكثر فلا تمن على الله بما قدمت وعملت فما الذي يدريك ما الذي يدريك أن أعمالك قُبِلَت وهل قدمتها كما ينبغي وهل كانت لله أم لا ألم تسمع لقول الحق عز وجل: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون فاحذر مفسدات الأعمال الخفية نعوذ بالله من الشقاق والنفاق والرياء ومساوئ الأخلاق أيها الإخوة والأخوات إن من خالط الإيمان بشاشة قلبه لا يمكن أن يهجر الطاعات كيف وقد ذاق حلاوتها وطعمها وشعر بأنسها ولذتها في رمضان ، إن [هرقل] لما سأل [أبا سفيان] عن المسلمين أيرجعون عن دينهم أم لا قال أبو سفيان لا ، قال هرقل وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب إن هرقل يعلم أن من ذاق حلاوة الإيمان وعرف طعمه لا يمكن أن يرجع عن دينه أبدا مهما فعل به طعم الإيمان لذة الطاعة هي السر في الاستمرار وعدم الانقطاع نعم يفتر المسلم ويتراخى ويمر به ضعف وكسل خاصة بعد عمل قام به ونَشِط وذلك مصداق حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"إن لكل عمل شرَّة والشِرَّة إلى فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل"والحديث أخرجه [أحمد] في مسنده وهو صحيح وإسناده صحيح وقد صححه [الألباني] كما في *** وأيضا قال [الهيثمي] عنه رواه [البزار] ورجاله رجال الصحيح وأيضا أُخْرِجَ من وجوه كما في [الترمذي] وقد قال عنه الترمذي حسنٌ صحيحٌ غريب من هذا الوجه كما في صحيح الجامع الألباني؛ إذاً فالمسلم يفتر ويضعف لكنه لا ينقطع واسمع لهذا الكلام الجميل أيضا لـ [ابن القيم] رحمه الله قال: تَخَلَّل الفترات للسالكين أمر لابد منه ، تخلل الفترات أي الفترة والكسل للسالكين أمر لا بد منه فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد ولم تخرجه من كرب ولم تدخله في محرم رجي له أن يعود خيرا مما كان رجي له أن يعود خيرا مما كان انتهي كلامه رحمه الله . فلعلنا أيها الأحبة لعلنا نقارن بين حالنا في رمضان بعد سماع هذا الكلام وبين حالنا خلال هذه الأيام لنشعر بما فقدناه من اللذة والطاعة وحلاوة الإيمان والله المستعان .