فهرس الكتاب

الصفحة 9569 من 9994

ومثل آخر لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه أخرج البخاري في صحيحه في مناقب الأنصار باب أيام الجاهلية من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج أي يأتيه بما يكسبه من بيعه وشرائه وكان أبو بكر يأكل من خراجه أي من كسب هذا الغلام فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام أتدري ما هذا فقال أبو بكر وما هو قال الغلام كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه فماذا فعل أبو بكر الصديق أيضا القضية شبهة عند أبي بكر رضي الله عنه ثمن كهانة تكهنها غلامه في الجاهلية ومع ذلك وهو قد أكل الطعام فماذا فعل الصديق رضي الله تعالى عنه تقول عائشة فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه أدخل أبو بكر يده في فيه فقاء كل شيء في بطنه هكذا الورع هكذا التقى هكذا مراقبة الله جل وعلا يا أخي الحبيب لا يريد أن يختلط في بطنه أو أن يبني جسده على شيء من الشبهات فضلا على شيء من المحرمات فأين الناس اليوم من هؤلاء.

مثل ثالث أو أثر ثان وهذا الأثر هو بيوت تتربى على الورع ومراقبة الله نعم إن مما أحدثه هذا السر العجيب أن جعل بيوتا كاملة رجالها ونساءها صغارها وكبارها تتربى على الخشية والورع ومخافة الله ولذلك يذكر لنا [القصطلاني] في إرشاد الساري يقول أن امرأة جاءت إلى [الإمام أحمد] والإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة وناصر السنة وقامع البدعة رضي الله تعالى عنه ورحمه صاحب الورع والتقى فقد ألف كتاباً اسمه الورع جاءت المرأة لتسأل الإمام أحمد سؤالا جعل الإمام يبكي هذا السؤال جعل الإمام أحمد يبكي فتقول المرأة واسمع للسؤال جيداً إننا نغزل على سطوحنا فيمر بنا مشاعل الظاهرية ـ أي نور الحرس الذين يجوبون الطرقات بالليل ـ ويقع الشعاع علينا ـ يعني لحظات ـ أفيجوز لنا الغزل في شعاعها أرأيت دقة المسألة ويذكرها ابن المبارك في كتابه بلفظ آخر في كتابه الزهد والرقائق فيقول إن المرأة قالت للإمام أحمد يا إمام إنني أغزل في السطح على ضوء السراج وربما انطفأ السراج فأغزل على ضوء القمر أفيجب علي يا إمام عند بيعي لغزلي أن أبين للمشتري ما غزلته تحت السراج مما غزلته تحت ضوء القمر سبحان الله!! إلى هذا الحد يبلغ الخوف من الله ومراقبة الجبار في قلوب أولئك الرجال هذه امرأة فأين نساؤنا من هذه المرأة هكذا مراقبة الله فيبكي الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه من هذا السؤال ويقول لها من أنت يا أمة الله من أنت عافاك الله فتذكر أنها أخت لـ [بشر الحافي] فيبكي ويشتد بكاؤه ويقول: من بيتكم يخرج الورع الصادق.

نعم يوم أن كانت أمة المسلمين تتربى على الورع وعلى خشية الله وخوف الله تعال وانظر لبيوت المسلمين على أي شيء تتربى اليوم...

نعم أيها الولي ستسأل من الجبار لا من البشر ستسأل عن وسائل التربية التي ربيت عليها قلوب أهل بيتك فبماذا ستجيب أبالتلفاز أم بالمجلات أم بالأفلام أم بأشرطة الغناء أم بماذا ستكون الإجابة كيف تريد أن تكون المرأة صالحة والفتاة خاشية لله والابن مراقب لله سبحانه وتعالى كيف تريد الصلاح وهذه هي وسائل التربية اسمع يقول سليمان بن حرب سمعت [سلمان بن زيد] يقول كنت مع أبى فمررت من حائط فيه تبن وقد كنت صغيرا آنذاك فأخذت عود تبن ـ أي من الحائط ـ فوقف أبي وقال لي لم أخذت كأنه ينهرني فقلت إنما هي تبنه ببراءة الصغير أي لا تساوى شيئا فقال له أبوه يا سلمان لو أن كل إنسان أخذ تبنة هل كان يبقى في الجدار تبن؟ هكذا يربون أبناءهم وصغارهم على أحقر الأشياء وأصغرها حتى إذا شب وعقل لا تمتد يده علي أي شيء مهما كان كبيرا أو صغيرا هذه هي التربية بيوت تربت على الخوف والورع.

بائعة اللبن وما أدراك ما بائعة اللبن قصة مشهورة معلومة معروفة عند الجميع قرأناها عندما كنا صغارا تتكرر علينا كثيرا لكنها تبحث عن الموجه ليوجه هذه القصة للناس وتبحث عن الأب ليربي أبناءه علي هذه القصة فيذكرها ويستخرج الدروس والعبر منها لزوجه لابنته لطفله لنفسه..

عمر بن الخطاب كان ليلة من الليالي يعس في شوارع المدينة فاتكأ على أحد بيوتات المدينة فسمع الحوار التالي بين الأم وابنتها:

تقول الأم: يا بنية أمزجت اللبن بالماء ؟

فتقول البنية: يا أماه أما علمت أن أمير المؤمنين عمر قد نهى أن يمزج اللبن بالماء. فتقول الأم التي تعلق قلبها بالدنيا وبشهواتها وملذاتها والقلب يغفل والعين تغفل فتقول الأم التي غفلت: يا بنية وما يدري أمير المؤمنين عمر بنا !!

نعم من كان يراقب الناس فإن الناس يغفلون وينامون والناس بشر وعرضة للسهو والخطأ فتأتى الإجابة من قلب تلك الفتاة الصغيرة البريئة التي تربت على خشية الله وخوف الله تأتي لتصرخ وتقول لأمها: يا أماه إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا..

الله أكبر على هذه القلوب التي تتربى في سرها وعلنها هكذا هي التربية هكذا والله يا عزة الإسلام عندما يرتعد هذا القلب ويشعر بالحرية والعبودية لله جل وعلا.

قصة رابعة وما أكثر تلك البيوت التي تربت على خشية الله وخوف الله ومراقبة الله عمر أيضا كان يعس كعادته رضي الله تعالى عنه وستأتي لنا سيرة عمر إن شاء الله أو شيء منها كان يعس في شوارع المدينة وأيضا يتكئ على جدار من بيوتاتها وفى ظلمة الليل يسمع أنين تلك المرأة التي تخاطب نفسها وهي على فراشها وقد ذهب زوجها مع جيش المسلمين جنديا في سبيل الله فغاب عنها طويلا فإذا بالمرأة تتمثل هذه الأبيات فتقول:

تطاول هذا الليل واسود جانبه

وأرقني ألا خليل ألاعبه

فوالله لولا الله لا شيء غيره

لحرك من هذا السرير جوانبه

يعني بالزنا والعياذ بالله

فو الله لولا الله لا شيء غيره

لحرك من هذا السرير جوانبه0

ولكن ما هو السر العجيب

ولكن تقوى الله عن ذا تصدني

وحفظي لبعلي أن تنال مراكبه

الله أكبر ما أحلى هذا البيت وما أكبر اطمئنان قلبك يا أخي الحبيب وأنت تغادر باب المنزل وقد خلفت امرأة صالحة تخشى الله وطفلا صغيرا يراقب الله وذرية تدمع من خشية الله هكذا تكون بيوت المسلمين وهكذا يكون الوجل والخوف من الله

الأثر الثالث من آثار هذا السر العجيب في حياة النبلاء كثرة الخلوة بالنفس والدمعة المباركة كثرة الخلوة بالنفس نقرأ في سير أولئك الرجال في أولئك سرا أو في حياة أولئك النبلاء نجد كثرة خلوتهم بأنفسهم في ظلمة ليل أو في قطع من خلاء ثم سرعان ما تسيل الدموع على الخدود ما الذي أحدث هذا الأثر إنه السر العجيب رقابة الله وخشية الله جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت