فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما في الحديث الصحيح"رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه"تأمل هذه الصورة جيدا أيها القلب تفكر في هذه الصورة جيدا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه هل مرت عليك هذه اللحظة؟ هل شعرت يوما من الأيام بهذا الموقف؟ هل وقفت ليلة من الليالي وتمثلت هذه الصورة؟ إن الرجال الصالحين وشباب الصحوة والدعاة من الرجال والنساء بحاجة شديدة لهذه الخلوة لننظر إلى أنفسنا وفى عملنا وقولنا وننظر إلى حقيقة أمرنا وسلامة صدورنا إننا بحاجة لهذه الصورة بحاجة لهذا الموقف نذكر نعمة الله ومنته علينا إننا أيها الأخيار بحاجة ماسة وصادقة وملحة لتلك الدمعة الغالية وتلك الدمعة الحارة التي تسيل على الخد في لحظة خلوة بتذكر نعمة الله ثم تذكر عظم الذنب والتقصير في حق الله فلعل الدمع أن يأتي ولعل القلب أن يلين فيترجم ذلك إلى الدمعة الحارة الغالية ما أحوج قلوبنا لمثل هذه الدمعة التي فقدناها في مثل هذا العصر.
إن عمر بن الخطاب وما أدراك ما عمر أمير المؤمنين ما قرأت يوما في سيرة هذا الرجل وأخطأ دمع العين مجراه نعم لا تقل إنه رجل مشهور لا تقل إن عمر رجل مشهور لا، اقرأ في سيرته فتجد العجب العجاب في حياة ابن الخطاب رضى الله تعالى عنه عمر الذي كان في الجاهلية أقسى قلبا وأغلظه كان يرعب المسلمين فيجلس لهم في الطرقات وفوق الأشجار فيرمي عليهم الأشواك والأحجار حتى وصل الحقد والجفاء في قلب عمر إلى أن يحمل السيف مصلتا ليقتل به أعز البشر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهل بعد هذا الحقد حقد ؟ لا ومع ذلك تدخل لا إله إلا الله وتفعل الأعاجيب في قلب هذا الرجل تدخل رقابة الله لتجعل هذا القلب من قلب قاس غليظ كالحجر إلى قلب رقيق لين قريب الدمعة سريع الدقة رضى الله تعالى عنه وأرضاه حتى أن عمر قال عنه صلى الله عليه وآله وسلم يا عمر إذا رآك الشيطان من فج سلك فجا آخر تخاف منه الشياطين وبشره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة فهو من العشرة المبشرين ومع ذلك هل اتكل على هذا لا بل كان إمام الخاشعين والخائفين رضى الله تعالى عنه وأرضاه.
ويروى [ابن أبى شيبة] في مصنفه أن عمر يأتي لـ [حذيفة] ويقول له يا حذيفة قل لي بالله أعدني رسول الله من المنافقين ؟ سبحان الله يتهم نفسه بالنفاق رضى الله عنه وأرضاه.
عمر كان يمر بالآية في ورده فتخنقه فيبقى في البيت أياما يعاد يحسبونه مريضا كما ذكر ذلك الإمام أحمد في كتاب الزهد.
وعمر يذكر الذهبي في السير من صفاته أنه كان في خديه خطان أسودان من أثر البكاء من خشيته لله رضى الله عنه وأرضاه قرأ يوما (إذا الشمس كورت) حتى انتهى إلى قوله تعالى (وإذا الصحف نشرت) فخر مغشيا عليه رضى الله تعالى عنه وأرضاه هذا هو عمر يأخذ عود نبات فيقول يا ليتني كنت هذا العود يا ليت أم عمر لم تلد عمر يا ليتني كنت شجرة تعضد أي تقطع سبحان الله أهذا الخوف وهذه الخشية تخرج من عمر المبشر بالجنة فأين نحن من أنفسنا أيها الأخيار نراجع قلوبنا أيها الأحبة..
فمن يبارى أبا حفص وسيرته
أو من يحاول للفاروق تشبيها
يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها
من أين لي ثمن الحلوى فأشريها
وهو أمير المؤمنين
يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها
من أين لي ثمن الحلوى فأشريها
لا تمطتي شهوات النفس جامحة
فكسرة الخبز عن حلواك تجزيها
وهل يفي بيت مال المسلمين بما
توحي إليك إذا طاوعت موحيها
أي طاوعت نفسك
قالت الزوجة:
قالت لك الله إني لست أرزؤه
مالي بحاجة نفس كنت أبغيها
يعني لم أكن أعتمد على بيت مال المسلمين إنما هو مال عندنا أي سأشتري الحلوى من مال كان موجودا عندي.
قالت أي الزوجة:
قالت لك الله إني لست أرزؤه
مالي بحاجة نفس كنت أبغيها
يقول لها عمر
ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولى
فقومي لبيت المال رديها
سبحان الله وهو مالها
ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولى
فقومي لبيت المال رديها
قد فر شيطانها لما رأى عمر
إن الشياطين تخشى بأس مخزيها
هذى مناقبه في عهد دولته
للشاهدين وللأعقاد أحكيها
في كل واحدة من هن نابلة
من الطبائع تغدو نفس راعيها
لعل في أمة الإسلام نابتة
تجلو لحاضرها مرآة ناظرها
حتى ترى بعض ما شابت أوائلها
من الصروح وما عاناه بانيها
وحسبها أن ترى ما كان من عمر
حتى ينبه منها عين غافيها
رحمك الله يا عمر وفى الحديث عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم"لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع"فبشراك يا أخي الحبيب..
أحمد بن حنبل رضى الله تعالى عنه وأرضاه وهو صاحب الورع والخشية يوما من الأيام كان جالسا مع تلاميذه يحدثهم فاقشعر بدنه وشعر بحلاوة الإيمان فقام وتأخر على التلاميذ وذهب أحد التلاميذ ليرى أين ذهب الإمام فاقترب من باب الغرفة أو الحجرة فوجد وسمع الإمام أحمد يتمثل البيتين ويبكي بكاء شديدا رضى الله تعالى عنه سمع الإمام أحمد يقول:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل
خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة
ولا أن ما تخفي عليه يغيب
الإمام أحمد يختلي بنفسه ويردد هذين البيتين ما أحوجنا أيها الأحبة لترداد هذين البيتين والخلوة بالنفس والدمعة المباركة في مثل هذا الوقت.
ذكر الذهبي في السير أن [القاضي الحسين] حكى عن [القفال] أستاذه أنه كان في كثير من الأوقات يقع عليه البكاء حالة الدرس يعني وهو يلقى الدرس
أن القفال كان كثيرا من الأوقات يقع عليه البكاء في حالة الدرس ثم يرفع رأسه ويقول أي القفال ما أغفلنا عما يراد بنا فأين نحن من هذا وأين المدرسون عن هذا أين المربون الذين يربون أبناء المسلمين على هذه الخشية وعن هذا الورع إنك تجول ببصرك في مدارس المسلمين شرقها وغربها وترى سمات الصلاح والتقى والورع على كثير من المدرسين والمدرسات فتسمع ذلك الذي يتناقله القريب والبعيد بوجود الصالحين والصالحات ولكنك تتساءل دائما سبحان الله أين البركة أين الأثر أين أثر أولئك على أبناء المسلمين أين البصمات أين الأطفال الذين تربوا على خشية الله قليل أولئك.
فإذا كان كذلك فلماذا لا نسأل عن السبب ولماذا لا نحاسب النفس ولماذا لا نبحث عن العلاج ؟
في قصة تربوية يذكرها بعض علماء التربية أن شيخا قال لتلاميذه الصغار يا أبنائي ـ وهذه القصة رسالة للمدرسين والمدرسات ـ قال لهم يا أبنائي إذا كان من الغد فلا يأتي أحد منكم إلا وقد جاء معه بدجاجة قد ذبحها في مكان لا يراه فيه أحد فجاء التلاميذ من الغد وكل منهم قد علق دجاجة في يده اليمنى إلا غلاما واحدا فسأله الشيخ يا غلام أين الدجاجة ؟ فقال الغلام ـ اسمعوا التربية ـ فقال الغلام يا شيخ إنك قلت أن أذبح الدجاجة في مكان لا يراني فيه أحد وإنني دخلت الحجرة فوجدت أن أحدا يراني فصعدت السطح فوجدت أن أحدا يراني وما طرقت مكانا إلا وكان ذلك الأحد يراني فقال الشيخ من هذا الذي يراك فقال الصغير فقال القلب الخاشع لله إنه الله إن الله معي في كل مكان يراني.