فهرس الكتاب

الصفحة 9571 من 9994

أرأيت التربية فأين أنت يا أخي الحبيب أين أنت أيها المدرس الفاضل أين أنت أيها الداعية الصادق أين أنت يا أيتها المدرسة الصالحة أين أنتم من تربية أبناء وبنات المسلمين على مثل هذا السر العجيب إننا نحتاج إلى وقفة مراجعة ونظرة إلى النفس فإننا نسمع ونقرأ في حياة النبلاء أنه إذا كان الرجل الصالح لوحده في قريته ومدينته أصلح الله به أهل المدينة إذا فما دهانا وما بالنا وأين أثرنا وأين نتائجنا ؟ والله المستعان وإليه المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الأثر الرابع من آثار هذا السر العجيب في حياة النبلاء حمل هم الآخرة وتعلق القلوب بها نعم إن هذا السر مراقبة الله ما زال يفعل الأفاعيل في قلوب الصالحين حتى جعل تلك القلوب تتعلق بالآخرة فهمومها هي الآخرة وأحاديثها هي الآخرة ودندنتها هي حول الآخرة ولذلك أخرج [ابن ماجة] بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال"من كانت همه الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا راغمة ومن كانت همه الدنيا فرّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له"أخرجه ابن ماجة بسند صحيح.

نسمع هذا الحديث ثم نرى الأمور الدنيوية هي حديث مجالسنا فتارة عن المشاريع التجارية وتارة عن المعمارية وتارة عن الوظيفة ودرجاتها وأخرى عن المركب وأخرى عن الملبس وأخرى عن المشرب وهكذا حتى الصالح من الناس إن حمل الهم فإذا هو هذا همه.

ابن المبارك رضى الله تعالى عنه وأرضاه كان يوما من الأيام جالسا مع تلاميذه ويروى هذه القصة [القاسم بن محمد] قال كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيرا ما كان يخطر ببالي ـ الذي كان يقول ذلك القاسم بن محمد ـ فأقول في نفسي بأي شيء فضل هذا الرجل علينا وقد سمعتم قبل قليل مناقب ابن مبارك في أي شئ فضل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس بهذه الشهرة إن كان يصلى إنا لنصلى وإن كان يصوم إنا لنصوم وإن كان يغزو فإنا لنغزو وإن كان يحج إنا لنحج قال وكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت إذ انطفأ السراج فقام بعضنا لإصلاح السراج أي خرج للسراج لإصلاحه فمكث هنيهة ـ لحظة من الزمن ـ ثم جاء السراج فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته وقد ابتلت بكثرة الدموع فقلت في نفسي بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا ولعله فقد السراج فصار إلى الظلمة فذكر القيامة.

سبحان الله لحظة من لحظات هنيهة قد تعد دقائق أو لا تعد أو ثواني أو لا تعد فيرجع السراج فإذا الدموع قد ملأت وجه ولحية ابن المبارك رضى الله تعالى عنه.

قلوب حملت هم الآخرة تعلقت بالآخرة فإذا رأت ظلمة تذكرت ظلمة القبر وإذا رأت نارا تذكرت نار جهنم وإذا رأت نعيما وخضرة تذكرت جنان الفردوس هكذا القلب متعلق بهموم الآخرة يفكر في أحوال القيامة وكل أمر يلحظه في دنياه ويمر على مخيلته ينتقل مباشرة تنتقل تلك الصورة إلى مواقف القيامة وأحوال الآخرة.

ذكر الذهبي في السير أن [أشعب بن شعبة المصيصي] قال قدم [الرشيد] فانجفل الناس خلف ابن المبارك وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب فقالت ما هذا يعني ما هذه الغبرة وما هذا الجمع وهذا العدد من الناس قالوا عالم من أهل قدم قالت هذا والله هو الملك لا ملك هارون الرشيد هذا والله هو الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان.

وهكذا الخشية هكذا نتائج الخشية ومراقبة الله تورث المحبة للعبد في قلوب الناس وتضع له القبول في الأرض بكلمته.

وذكر أحمد في الزهد أن ابن مسعود مر على هؤلاء الذين ينفخون الكير فوقع رضي الله تعالى عنه وأرضاه وأنه مر مرة أخرى على الحدادين فبصر بحديدة قد أحميت فبكى رضى الله تعالى عنه وأرضاه. أرأيت القلب كيف يتعلق بالآخرة وبهمومها.

وذكر [ابن الجوزي] في صفة الصفوة أن [مطرا البرّاق] وصاحبه التابعي [هرم بن حيان] كانا يصطحبان أحيانا بالنهار فيأتيان صوب الرياحين أو الريحان فيسألان الله الجنة ويدعوان ثم يأتيان الحدادين فيعوذان بالله من النار ثم يتفرقان إلى منازلهما يخرجان لهذا الأمر تربية للقلب يعلمون أن القلب يغفل ويسهى وتتراكم عليه الشهوات حتى يصبح والعياذ بالله أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا هذا حال كثير من قلوب الناس اليوم ونستثني الصالح إن شاء الله أمثالكم ونحسبكم كذلك نعم حتى أصبحت قلوب كثير من الناس لا تعرف المعروف ولا تنكر المنكر والعياذ بالله.

ومثال رابع وأخير حول الأثر الرابع وهو حمل هم الآخرة وتعلق القلوب بها وهو التابعي الجليل [الحسن البصري] رحمه الله تعالى وما أدراك ما الحسن الحسن البصري صاحب الدمعة واقرأ في سيرته إن شئت تجد العجب في خشيته وخوفه فقد كان يشتكي جيرانه من كثرة بكائه في الليل وكم من المرات قرع بابه في الليل يظن جيرانه أن به أذى وما به إلا خوف وخشية لله.

اسمع هذه القصة لهذا الرجل يقول [صالح بن حسان] قال أمسى الحسن صائما فجئناه بطعام عند إفطاره قال فلما قرب إليه قال عرضت له هذه الآية (إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما) قال فقرصت يده عنه فقال ارفعوه فرفعناه قال فأصبح صائما فلما أراد أن يفطر ذكر الآية أي في اليوم الآخر ذكر الآية ففعل ذلك أيضا فلما كان اليوم الثالث انطلق ابنه إلى [ثابت البناني] و [يحيى البكاء] وأناس من أصحاب الحسن فقال أدركوا أبي فإنه لم يذق طعاما منذ ثلاثة أيام كلما قربنا إليه ذكر هذه الآية (إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما) قال فأتوه فلم يزالوا به حتى أسقوه شربة من سويق.

إنه رضي الله تعالى عنه لا يتعمد ترك الطعام تزهدا وإنما غلبه هم الآخرة وتذكر أهوالها فجعله لا يشتهي الأكل وتأباه نفسه إن هذه النماذج ليتعثر اللسان وهو يتكلم عنها ويضطرب القلب وهو يفكر بها إجلالا وهيبة لهم رحمهم الله تعالى.

كنا قلادة جيد الدهر وانفرطت

وفى يمين العلا كنا رياحينا

كانت منازلنا في العز شامخة

لا تشرق الشمس إلا في مغانينا

فلم نزل لصروف الدهر ترمقنا

شجرا وتخدعنا الدنيا وتلهينا

حتى غدونا ولا جاه ولا نصب

ولا صديق ولا خل يواسينا

الأثر الخامس من آثار هذا السر في حياة النبلاء وهو الأخير من هذه الآثار في هذه المحاضرة وآثاره كثيرة هضم النفس والإجراء عليها مهما بلغت من الصلاح نعم فإن خشية الله ومراقبة الله جعلت أولئك الرجال يهزمون أنفسهم وجعلتهم يحتقرون هذه النفس فما زالوا في هضمها واحتقار شأنها تربية لها ومحاسبة وإن كثيرا من أهل الخير والصلاح غفل عن قلبه حتى ظن أنه يذكر ولا يذكر ويحدث ولا يحدث وأنه ليس بحاجة إلى موعظة تذكره بالجنة والنار والحساب والعذاب فلا يسمع وإن سمع فللانتقاد والملاحظات ولا يقرأ وإن قرأ فللتدريس والتعليم ولا يصح هذا أبدا يا أخي الحبيب فمن آثار استشعار مراقبة الله في حياة السلف أنهم عرفوا حقيقة أنفسهم وحرصوا على تربيتها فاسمع لـ [سفيان الثوري] أمير المؤمنين في الحديث اسمع لهذا الرجل يقول عنه الإمام الذهبي هو شيخ الإسلام إمام الحفاظ سيد العلماء العاملين في زمانه كان سفيان رضى الله عنه لشدة تعلقه بالآخرة واستيلاء همها عليه لكأنه جاء منها فهو يحدثك عنها رأي العين يقول أبو نعيم كان سفيان إذا ذكر الموت لم ينتفع به أياما..،ويقول ابن مهدي كنا نكون عنده فكأنما وقف للحساب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت