فهرس الكتاب

الصفحة 9858 من 9994

عبارة عجيبة..إن وقعتَ في كبيرة من الكبائر وسَتَرَكَ الله، استرد على نفسك، وتب إلى الله جل وعلا.. أما إن وصل أَمرُك إلى ولى الأمر وجب عليه حينئذ أن يقيم عليك حد الله، ولا ينبغى أن تأخذنا الشفقة والعطف والرحمة بعينها هى أن يقام حد الله على الجاني، ليموت هذا من أجل أن يحيا المجتمع بأسره.

قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( [25] ) اسمع إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح من حديث ثوبان أنه قال:

«ُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ » ( [26] ) .

الأمة الآن في ذل .. بسبب الإعراض عن منهج الله ... أذلها الله لإخوان القردة والخنازير من أبناء يهود.

لماذا؟ لأن الأمة قد تخلت عن أصل عزها وعن نبع شرفها وعن معين كرامتها ووجودها .

فراحت تبحث عن العز والسيادة في الشرق الملحد تارة ، وفي الغرب الكافر تارة أخرى ، فأذلها الله ، وسلط الله عليها ذلاَ لن ينزعه إلا إذا عادت مرة أخرى إلى دين ربها، وإلى كتاب ربها وإلى سنة الحبيب محمد .

ها نحن نرى الأمة الآن ذلت بعد عزة .. وضعفت بعد قوة .. وجَهِلَت بعد علم .. وأصبحت في ذيل قافلة الإنسانية ، بعد أن كانت بالأمس القريب تقود القافلة كلها بجدارة واقتدار .. ونرى الأمة الآن تتسول على موائد الفكر الإنساني، بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب ، منارة تهدى الحيارى وتائهين، الذين أحرقهم لفح الهاجرة القاتل وأرهقهم طول المشى في التيه والظلام ، ونرى الأمة اليوم تتأرجح في سيرها ولا تعرف طريقها التى يجب عليها أن تسلكه ، وأن تسير فيه بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب الدليل الحاذق الأرب في الدروب المتشابكة في الصحراء المهلكة التى لا يهتدي فيها إلا الأدلاء المجربون .

فمن أخطر آثار المعاصى والذنوب « الضنك والضيق » الذي يعيشه الناس

نعم أيها الأحباب:

ورد من حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله قال:

« يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ » ( [27] )

فانظر أيها الحبيب إلى هذا الحديث العظيم وانظر إلى حالنا وتفكر .. كأن النبي يجسد حال الأمة الآن ..

أظهرنا الفاحشة .. فظهرت الأمراض والأوجاع وانقصنا الميزان .. فأخذنا بالسنين وشدة المؤونة، وهل هناك شدة أكثر مما نحن عليه.

ونقضنا عهد الله وعهد رسوله بعد أن بعدنا عن مصدر عزنا ونبع شرفنا .. فسلط الله علينا الآلام وطمع فينا الضعيف قبل القوى ، والذليل قبل العزيز ، والقاصى قبل الداني ، وسلبت أرضنا .. وضاع قدسنا وراح شرفنا ، وانتهك عرضنا وإنا لله وإنا إليه راجعون.

«مَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ إلا جعل الله بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ »

وضعنا كتاب الله وسنة رسول الله واستبدلنا بالعبير بعراً والثريا ثرى والرحيق المختوم حريقاً محرقا وشأننا في ذلك كشأن الجعل يتأذى من رائحة المسك الفواح ويحيى ويعيش ويسعد برائحة القذر والنتن في الخلاء والمستراح . وإن لله وإنا إليه راجعون .

وأخيراً من أثار المعاصى والذنوب .. وانتبه لهذه الأخيرة لأنها من أخطر آثار المعاصى والذنوب أيها الشباب .. أيها الأحباب.. أيتها الأخوات الفضليات.. إن إدمان المعصية يؤثر على صاحبها عند الموت فلا يتمكن من النطق بكلمة التوحيد.

والله إن لم يكن من آثار المعاصى والذنوب إلا هذه لارتعدت منها القلوب في الصدور.

يخون القلب واللسان صاحبه العاصى إذا نام على فراش الموت فكيف يوفق بالنطق بلا إله إلا ا لله من غفل في دنياه ، عن ذكر مولاه واتبع هواه ، وكان أمره فرطا؟

كيف يوفق للنطق بكلمة بالتوحيد؟

لا يوفق للنطق بكلمة التوحيد ، إلا من عاش في الدنيا على الطاعة وعاش على التوحيد ، وامتلأ قلبه بالتوحيد ، وتحرك التوحيد وأُشرِب قلبه التوحيد.

أما من عاش على المعاصى ، وأُشرِب قلبه بحب المعاصى ، وابتعد عن الطاعة، واستمر على غير حق، وعلى غير هدى .. هذا من عدل الله أنه يختتم له بسوء الخاتمة عياذا بالله .. أعاذنا الله وإياكم من سوء الخاتمة، فوالله إنما الأعمال بالخواتيم .

أخبرنا علماؤنا كابن القيم وابن الجوزى والطبري والطبرانى والقرطبى وغيرهم في مراجعهم: أن رجلاً كان يعمل بالأذان في مصر مدة طويلة وقام يوماً ليرفع الآذان ، فمرت عليه امرأة فسألته سؤالا وقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب. فنظر الرجل إليها نظرة ، فوقعت في قلبه فأشار إلى باب داره وقال: هذا هو حمام منجاب، فدخلت المرأة الدار على أنه الحمام الذي يتجمل فيه النساء، فلما نظرت وعلمت أنها وقعت في فخ المعصية ، وأنه قد خدعها ، أظهرت له البشر والفرح بإجتماعها معه، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا ، وتقر به عيوننا فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين وخرج ، وتركها في الدار، ولم يغلقها ، فأخذ ما يصلح لهما ورجع ، فوجدها قد خرجت وذهبت ، فهام الرجل ، وجعل يمشى في الطرقات ويقول:

يارب قائلةٍ يوما وقد تعبت أين الطريقُ إلى حمام منجاب

وظل الرجل يردد هذا البيت وامتنع عن الآذان وعن الصلوات إلى أن نام على فراش الموت فذهب إليه بعض الصالحين ليلقنوه كلمة التوحيد.. ويذكروه بالآذان الذى رفعه حيال السنوات الماضية نسأل الله العصمة والسلامة .. فكان يرد عليهم بقوله:

يارب قائلةٍ يوما وقد تعبت أين الطريقُ إلى حمام منجاب

وخُتَم له وهو يرد هذا البيت واليعاذ بالله.

فإنما الأعمال بالخواتيم يقول الحافظ ابن كثير:

لقد أجرى الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شئ مات عليه ومن مات على شئ بعث عليه .

فإن عشت على الطاعة مت على الطاعة وبعثت على الطاعة وإن عشت على المعصية مت على المعصية وبعثت على المعصية ففى صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله قال:

« يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ » ( [28] )

فانتبه ! وأحذر نفسى وإياك ورب الكعبة إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( [29] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت