فإذا احتفر الرجل بئرا في دار لا يملكها بغير إذن أهلها فهو ضامن لما وقع فيها. فإن أقر رب الدار أنه أمره درأت عنه الضمان، ولا شيء على رب الدار.
وإذا احتفر الرجل بئرًا في طريق مكة أو غير ذلك من الفَيَافِي والمَفَاوِز في غير مَمَرّ الناس [1] فلا ضمان عليه في ذلك، وليس هذا كالأمصار ولا المدائن. ألا ترى أن الرجل لو ضرب هنالك فسطاطًا أو اتخذ تنّورًا يخبز فيه حين ينزل أو شبه ذلك أو ربط هنالك ظهره أو دابته لم يضمن ما أصاب ذلك. وكذلك البئر [2] إذا احتفرها لصاحبه أو للماء غير أنه لا يكون لها حريم. ولا يكون الحريم إلا لبئر احتفرت في ذلك الموضع بإذن السلطان. فإذا احتفر بأمر السلطان كان لها من الحريم أربعون ذراعًا في قول أبي حنيفة. بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"حريم العين خمسمائة ذراع، وحريم بئر العَطَن أربعون ذراعًا، وحريم بئر الناضح ستون ذراعًا" [3] . وذلك عندنا أربعون ذراعًا في جوانبها، وستون ذراعًا من جوانبها، وخمسمائة ذراع من جوانبها، وليس لأحد أن يدخل عليه في شيء. وقال أبو يوسف ومحمد: البئر له، وله حريمها وإن كان بغير إذن السلطان. وإذا احتفر بئرًا في ملكه فلا ضمان عليه فيمن عطب فيها. وكذلك إذا احتفر سكانه بإذنه ولم يعلم ذلك إلا بقوله فلا ضمان في ذلك وإن كان ذلك لا يعلم إلا بقولهم إذا صدقهم رب الدار. وقد كان ينبغي في القياس أن يضمنوا إلا أن تقوم لهم في ذلك بينة، ولكني أدع القياس وأصدق رب الدار إذا قال: أنا أمرتهم. ألا ترى أني لا أضمنهم ما أفسدوا من الدار بالحفر، ولا أضمنهم [4] من سقط فيها بعد إقرار رب الدار أنه أمرهم، فكذلك لا أضمنهم ما وقع فيها.
(1) م - في غير عمر الناس، صح هـ.
(2) ز - أو شبه ذلك أو ربط هنالك ظهره أو دابته لم يضمن ما أصاب ذلك وكذلك البئر.
(3) رواه المؤلف بإسناده في كتاب الشرب، ويأتي تخريجه وتفسيره هناك. انظر: 5/ 223 ظ.
(4) ز + ما أفسدوا من الدار بالحفر ولا أضمنهم.